فقوله (( الذي أعطى كلّ شيء خلقه يعني من الدواب خلقه: يعني صورته التي تصلح له(ثم هدى) يعني ثم ألهمه كيف يأتي معيشته ومرعاه )) [1] وهذه صفة من صفات الله التي تفرد بها لذا جاء بها موسى (عليه السلام) موجهًا الخطاب لخصمه (فرعون) ، أي أنّ الماضي ـ هنا ـ نبّه البشر على ما أبدعه الله قديمًا وما انفكّ قائمًا من إبداعه هداية مخلوقاته.
5.أفِكَ:
أفك لغة يعني صرف (( أفكه عن رأيه: صرفه، وفلان مأفوك عن الخير، ورأيت أن أفعل كذا فافكت عن رأيي ) ) [2] وقد استعمل الفعل في آيات المحاجة بدلالته اللغوية غير أنّه جاء في موضع الذمّ، لأنّ الخطاب موجّه للكفار الّذين صرفوا عن الحق إلى الباطل لذا جيء بصيغة الجمع ليشمل الكفار جميعًا نحو قوله تعالى:
(( إنّ الله فالق الحبّ والنّوى يخرج الحيّ من الميّت ومخرج الميّت من الحيّ ذلكم الله فأنّى تؤفكون ) ) [الأنعام/ 95] .
فقوله (أنّى تؤفكون) أي كيف تصرفون عن توحيده، فسبق الفعل باستفهام تعجّبي إنكاري، لأنّه لا يوجد موجب يصرفهم عن التوحيد، وبُني الفعل للمجهول لعدم تعيّن صارفهم عن توحيد الله [3] ، ومثله قوله تعالى:
(( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرّسل وأمّه صدّيقة كانا يأكلان الطّعام أنظر كيف نبيّن لهم الآيات ثم انظر أنّى يؤفكون ) ) [المائدة/75] .
فقوله (أنّى يؤفكون) أي (( أنّى يصرفون عن الحقّ ) ) [4] .
والملاحظ أنّ الفعل (يؤفكون) لم يرد إلا مع (أنّى) الاستفهامية الدالة على الإنكار والتعجب، ويبدو لي أنّ السبب يعود إلى أنّ أسلوب (أنّى
(1) الأشباه والنظائر في القرآن 1/ 95، وكشف السرائر 32.
(2) أساس البلاغة مادة (أفك) 19.
(3) ينظر التحرير والتنوير 7/ 389_390.
(4) التفسير الكبير 12/ 62.