الصفحة 35 من 233

(( الحمد لله الّذي خلق السّموات والأرضَ وجعلَ الظّلماتِ والنّور ) ) [الأنعام/1] أي (خلق الظلمات والنّور) ، وذلك لأنّ السياق يحاجج الكفار بقدرة الله تعالى على خلق مخلوقات عظيمة، فالمناسب أن يقال جعل بمعنى (خلق) ، لأنّ الخلق صفة منسوبة إلى الله تعالى ولا يشاركه فيها أحد أمّا صنع فإنّه فعل يتصف به الإنسان أيضًا، وإنّما جيء بلفظ (جعل) بدلًا من (خلق) (( لأنّ الجعل يتوقف على موجود مغاير للمجعول، يكون منه المجعول أو عنه كالمادة والسبب، ولا يرد في القرآن العظيم لفظ(جعل) في الأكثر مرادًا به الخلق إلا حيث يكون قبله ما يكون عنه أو منه، أو شيئًا فيه محسوسًا عنه يكون ذلك المخلوق الثاني، بخلاف (خلق) فإن العبارة تقع كثيرًا به عما لم يتقدم وجوده وجود مغاير يكون عنه هذا الثاني ... وإنّما الظلمات والنور عن أجرام توجد بوجودها، وتعدم بعدمها )) [1] .

وقد جاء الفعل (جعل) دالًا على معنى (صيّر) في سياق معبّر عن قدرة الله نحو قوله تعالى:

(( الّذي جعل لكم الأرض فراشًا ) ) [البقرة/ 22]

فجعل بمعنى (صيّر) أي (( صيّر لكم الأرض فراشًا ) ) [2] (( فجعل بعضها بارزًا من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوب وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين صالحة للقعود عليها والنّوم فيها كالبساط المفروش ) ) [3] . إنّ استعمال هذا الفعل له قيمته الدلالية في إثبات قدرة الله تعالى على وفق سياق يقتضي ذلك، غذ يبرز تفرّد الله تعالى بالألوهية من خلال ذكره لأمور لا يقدر عليها غيره، وبالضرورة يظهر انتفاء هذه القدرة عن الآلهة التي يعبدها الخصم.

أمّا إذا ورد الفعل في سياق لا يتعلق بالله فهو (( جعل مستقبح كاذب ) ) [4] وهو يأتي بمعنى الوصف نحو قوله تعالى:

(( وجعلوا الملئكة الّذين هم عباد الرّحمن إناثًا ) ) [الزخرف/ 19] .

(1) البرهان في علوم القرآن 4/ 129.

(2) الإنباء بما في كلمات القرآن من أضواء 2/ 71.

(3) إرشاد العقل السليم 1/ 74.

(4) البرهان في علوم القرآن 3/ 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت