(( وضربَ لنا مثلًا ونسيَ خلقه قالَ منْ يحيي العظامَ وهي رميم * قُلْ يُحييها الّذي أنشأها أوّلَ مرّةٍ وهو بكلِّ خلقٍ عليم * الّذي جعلَ لكم من الشّجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون * ) ) [يس/ 78_80] .
وكما لجأ القرآن إلى الاستدلال على توحيد الله وتفرده بالألوهية بما في الطبيعة من مظاهر بديعة وآثار دالة على أنّ وراءها صانعًا مدبرًا حكيمًا عمد إلى (( إقامة البرهان عن طريق التحاكم إلى العقل أو إلى القضايا التي لا تكلف الإنسان في إدراكها سوى الرجوع إلى الحس والتجربة ) ) [1] ، ويتجلى ذلك في قوله تعالى:
(( واتلُ عليهم نبأ إبرهيم * إذ قال لأبيه وقومه: ما تعبدون * قالوا: نعبد أصنامًا فنظلُّ لها عاكفين * قال: هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرّون ) ) [الشعراء/ 69_ 73] .
فلو أعمل القوم عقولهم لأدركوا أنّ هذه الأصنام التي يعبدونها لا فائدة في عبادتها، إذ انتفى عنها السمع والنفع والضر وبذلك تكون أحط منزلة من معبوديها.
وقد أبطل القرآن أقوال اليهود والنصارى وذلك بتحكيم العقل، فاليهود يقولون إنّ عزيرًا ابن الله، والنصارى يقولون إنّ الله ثالث ثلاثة، وأتباع هاتين الطائفتين يعترفون بأن عزيرًا والمسيح وأمّه مخلوقون خلقهم الله تعالى كما صرحوا بذلك في توراتهم وإنجيلهم، وباعترافهم هذا تكون الحجة قائمة عليهم لأنّه لا يمكن في العقل اشتراك الخالق ولمخلوق في الألوهية والربوبية [2] .
قال تعالى:
(( إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ) ) [آل عمران/ 59] . وقال:
(( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنتَ قلتَ للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله قالَ سبحانكَ ما يكون لي أنْ أقولَ ما ليسَ لي بحقّ إنْ كنت قلته فقد
(1) سيكولوجية القصة في القرآن 417.
(2) ينظر في رحاب القرآن 71.