الهامدة به، وخلق الأزواج كلها (وهو ما يعرف بقانون إخراج الأزواج) مختلفة الأصناف والأشكال وتسخير الفلك والأنعام وسائط لنقل الإنسان من مكان إلى مكان، دالات على عظمة الله وتنزيهه عمّا لا يليق به من نعوت ومذكرات بالانقلاب والرجوع إليه، كل ذلك نقرأه [1] في قوله تعالى:
(( ولئن سألتهم من خلق السّموات والأرضَ ليقولنّ خلقهنّ العزيز العليم* الّذي جعلَ لكم الأرضَ مهدًا وجعلَ لكم فيها سبلًا لعلّكم تهتدون * والّذي نزّلَ من السّماء ماءً بقدرٍ فانشرنا به بلدةً ميتًا كذلك تُخرجون * والّذي خلقَ الأزواج كلّها وجعلَ لكم من الفلك والأنعام ما تركبون * لتستوا على ظهوره ثمّ تذكروا نعمة ربّكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحانَ الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين * وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون * وجعلوا له من عباده جزءًا إنّ الإنسانَ لكفورٌ مبين * أم اتّخذ ممّا يخلق بناتٍ وأصفكم بالبنين ) ) [الزخرف/9_16] .
ففي قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماء بقدر فانشرنا به بلدة ميتًا به بلدة ميتًا كذلك تخرجون) استدل على إمكانية البعث بعد الموت بمظهر من مظاهر الطبيعة وهو إنزال الماء من السماء وإحيائه به بلدة ميتًا، وقد (( استدلّ على إمكانه أيضًا بأحوال الشجر، ذلك النبات اللين الطري، الذي تشتد طراوته ونداوته بأنّه لا يمكن أن تضطرم فيه النيران، ولكنها القدرة الإلهية التي تحكم هذا الكون، وتتحكم في نواميسه وقوانينه فتجعل من ذلك النبات الطري نارًا تتوقد ولهيبًا يتجدد، فالذي أخرج من الشجر نارًا، لم يكن يتوقع أن تخرج منه، قادر على أن يخرج الإنسان ـ الذي يظن المشرك أنه لن يخرج ـ من مرقده الذي ثوى فيه بعد أن غيره البلى بين ظهرانيه، فالقرآن في هذا الاستدلال، كما هو في غيره، يجعل من هذه المحسوسات بينات شاخصة للعيان، تقرب هذه الحقيقة التي أراد إثباتها والتدليل عليها، وهي أن الناس سيبعثون وأنهم سيحاسبون على ما يقترفون، ويتجلى ذلك [2] في قوله تعالى:
(1) الطبيعة في القرآن 290.
(2) الطبيعة في القرآن 349_ 350.