فقوله لقومه (( بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ) )الغرض منه إقامة الحجة على قومه بأسلوب تعريضي، فجاء بلفظة (بل) لإبطال أن يكون هو الفاعل في أمر تكسير الأصنام، لأن (بل) تقتضي نفي ما دلّ على كلامهم من استفهامه، وقوله (فعله كبيرهم هذا) خبر مستعمل في معنى التشكيك أي لعله فعله كبيرهم، إذ لم يقصد نسبة التحطيم إلى الصنم الأكبر [1] (( وإنّما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على رمز خفي ومسلك تعريض يبلغ به إلزام الحجة لهم ) ) [2] .
إذ أراد (عليه السلام) أن ينبههم على تعطيل طاقة عقولهم، وعدم الإفادة منها في تقليب الأمور وموازنتها (( فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة، لأنّهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته ) ) [3] .
وممّا جاء على لسان إبراهيم (عليه السلام) أيضًا قوله تعالى:
(( قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (أنتم وآباؤكم الأقدمون (فإنّهم عدوٌّ لي إلا ربّ العلمين( ) ) [الشعراء/ 75_77] .
لفت أنظارهم أولًا إلى ما يعبدون فاستعمل الاستفهام الذي يقتضي إثارة التفكير، وجاء بلفظة (ما) للدلالة على أنّ ما يعبدونه فكرة مبهمة لا تستحق العبادة بدليل السياق، ثم جاء بالفعل الماضي (كنتم) للإشارة إلى أنّ هذه الآلهة التي عبدتموها ينبغي أن تكون عبادتكم إياها في زمن انقضى وانتهى لأنكم الآن عرفتم إلهكم الحق، ثم قال (ما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) و (( المراد
(1) ينظر التحرير والتنوير 17/ 100.
(2) الطراز 1/ 386.
(3) إعراب القرآن وبيانه 6/ 336.