وما لكم لا تعبدون الذي فطركم والمنبه عليه قوله (وإليه ترجعون) ولولا التعريض لكان المناسب (وإليه أرجع ) ) ) [1] . فإنّ إبراهيم (عليه السلام) (( صوّر المسألة في نفسه، والعداوة مستهدفة شخصه، كأنّه يعرض بهم قائلًا: لقد فكرت في المسألة مليًا، وأمعنت النظر فيها طويلًا فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو الذي يتربص به الدوائر للإيقاع ... وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح، لأنّه يلفت انتباهه ويسترعي أنظاره فيتأمل فيه فربما قاده التأمل إلى التقبل ) ) [2] . ومن ذلك قوله تعالى:
(( قل من يرزقكم من السّموات والأرض قل الله وإنّا أو إيّاكم لعلى هدىً أو في ضلالٍ مبين ) ) [سبأ/ 24] .
ابتدأ الخطاب باستفهام المخاطبين بمن يرزقهم من السماوات والأرض، ولم يترك لهم الرسول الإجابة، بل أجابهم بأن الله هو الفاعل لينتهي بعد هذا إلى التعريض بهم بأسلوب إقناعي مؤثر (إنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلالٍ مبين) فالله (( جلّ وعزّ يعلم أنّ رسوله المهتدي وأنّ مخالفه الضال ) ) [3] ولكنه استعمل هذا الأسلوب (( للتعريض بعدم هداهم ) ) [4] وهذا التعريض إنّما هو استدعاء لهم للتفكير والتأمل في حال الفريقين، وصولًا إلى حقيقة الإيمان والكفر. فالتعريض أوقع من التصريح، وقد جيء في جانب الهدى بحرف الاستعلاء للتمكن تمثيلًا لحال المهتدي بحال المتمكن من شيء يبلغ به مقصده، وجيء في جانب الضالين بحرف الظرفية تمثيلًا لحالهم في إحاطة الضلال بهم بحال الشيء في ظرف محيط به لا يتركه يفارقه ولا يتطلع منه على خلاف ما هو فيه من ضيق يلازمه [5] .
(1) مفتاح العلوم 245.
(2) إعراب القرآن وبيانه 7/ 90.
(3) تأويل مشكل القرآن 269.
(4) البديع في ضوء أساليب القرآن 80.
(5) ينظر التحرير والتنوير 22/ 192_ 193.