الصفحة 21 من 233

المجادل ويفحم المعاند والمكابر، وبالتالي تظهر قوة الإعجاز ليعلم أنّه من لدن حكيم خبير وأنّه معجزة خالدة )) [1] .

إنّ ما تضمّنه القرآن من حجج وبراهين إنّما هو جانب من جوانب إعجازه إذ قطع بحجاجه كل محتج، فختم على فيه وأخرس لسانه وأرداه إلى أحط درجات الهوان، وهذا دليل واضح على قيامه على ما يوافق الفطرة الإنسانية ويحتكم إلى العقل البشري [2] ، فحسب المرء للإيمان بربه ما ركب الله تعالى به من عقل، غير أن القرآن لجأ إلى إيراد الحجج الدالّة على توحيد الله ليغلق باب العناد والمكابرة، فلا يترك لمعارضيه حجة يحتجون بها إلا وقد واجههم بما يفحمهم ويلزمهم على الإيمان بالله وحده فقد (( تناول كثيرًا من الأدلة والبراهين التي حاج بها خصومه في صورة واضحة جلية يفهمها العامة والخاصة، وأبطل كل شبهة فاسدة ونقضها بالمعارضة والمنع في أسلوب واضح النتائج، سليم التركيب ) ) [3] .

وخير ما يمكن أن نعرضه مثالًا على قوة الحجة القرآنية وأثرها في إسكات الخصم وإلجامه محاجة إبراهيم (عليه السلام) وأحد الطواغيت وذلك في قوله تعالى:

(( ألم ترَ إلى الّذي حاجّ إبرهيم في ربّه أنْ اته الله الملكَ إذ قال إبرهيم: ربّي الّذي يحيي ويميت قالَ أنا أحيي وأميت، قال إبرهيم فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرقِ فأتِ بها من المغربِ فبُهتَ الّذي كفر ) ) [البقرة/ 258] .

بدأ نمرود الحجاج بالباطل في شأن صفات الله ربّ إبراهيم، فجاءه إبراهيم بحجة واضحة يدركها كل عاقل وهي أن الرب الحق هو الذي يحيي ويميت، فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنّه لا يستطيع إنهاء حياة ميت فلذلك ابتدأ إبراهيم الحجة بدلالة عجز الناس عن إحياء الأموات، ثمّ أعقبه بدلالة الإماتة فإنّه لا يستطيع إنهاء حياة الحي. ففي الإحياء والإماتة دلالة على أنهما من فعل فاعل غير البشر، فالله هو الذي يحيي ويميت، فأجاب نمرود عن جهل (أنا

(1) مناهج الجدل في القرآن 99.

(2) ينظر روائع الإعجاز في القصص القرآني 29_ 30.

(3) مباحث في علوم القرآن 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت