أحيي وأميت) وهي مغالطة عن جهل أو غرور في الإحياء والإماتة إذ زعم أنّه يعمد إلى من حكم عليه بالموت فيعفو عنه، وإلى بريء فيقتله [1] . يبدو أن مفهوم الإحياء والإماتة عند نمرود لا يتعدى الفهم السطحي للأمر القائم على الهوى فإبراهيم (عليه السلام) أراد من ذكره للإحياء والإماتة أن قدرة الله عظيمة متفردة لأنّه سبحانه يهب الحياة للكائن بعد أنْ لم يكن، أي أنّ دلالة منح الحياة عنده تكمن في بعث الروح في الكائن الحي بعد أن كان نطفة ميتة لا حياة فيه ويوقف حياة الكائن الحي متى شاء ذلك، وهذا ما لا يستطيع أن يفعله غيره. فلما رأى إبراهيم جهله ترك مناقضته في الإحياء والإماتة، وجاء بأبلغ ما يقطع به الخصوم ترك الإطالة والاحتجاج بالحجة المسكتة لأن إبراهيم لما قال له: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق) كان جوابه على حسب ما أجاب في المسألة الأولى أن يقول: فأنا أفعل ذلك فتبين عجزه وكان في هذا إسكات الكافر [2] (فبهت الذي كفر) أي (( انقطعت حجته ) ) [3] .
أدوات المحاجّة:
حاجج القرآن أقوامًا مختلفين في الأهواء والملل والإدراك داعيًا إيّاهم إلى الإيمان بالله وحده والالتزام بأوامره ونواهيه والإيمان بالحياة الآخرة وما تستلزمه من عبادات، لذا جرت (( مخاطباته في محاجة خلقه في أجلّ صورة تشتمل على أدق دقيق لتفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، وتفهم الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الخطباء ) ) [4] .
فلم يترك وسيلة من وسائل الإقناع إلا ذكرها، ولم يدع حجة من الحجج التي تطرق الأسماع فتتلقاها العقول والقلوب بالتسليم إلا وضعها أمام أعينهم فقد (( اعتمد التجربة أساسًا للعلم وجعل الحواس طريقًا للمعرفة، واستند إلى المقدمات
(1) ينظر التحرير والتنوير 3/ 32_ 33.
(2) ينظر معاني القرآن وإعرابه 1/ 341.
(3) تفسير غريب القرآن 94.
(4) البرهان في علوم القرآن 2/ 24.