(( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرتَ بالّذي خلقكَ من ترابٍ ثمّ من نطفةٍ ثمّ سوّكَ رجلًا ) ) [الكهف/ 37] .
فالحوار يراد به المراجعة أي (( يراجعه الكلام في إنكاره البعث وفي إشراكه بالله ) ) [1] وهذه المحاورة تتضمن حجة لا يستطيع الكافر ردّها وهي خلقه من تراب ثم من نطفة ثم تسويته رجلًا، وهذه الحجة كافية لردعه عن كفره وإيمانه بالله وحده، فهذه المحاورة إنّما هي محاجة بين مؤمن وكافر جاءت لـ (( تقرر آثار البطر والطغيان وما يكتسبه الظالم لنفسه من ذل وخسران ) ) [2] وذلك لأنّ الكافر يعتمد على (( المال والعصبة وجميعها مؤقت وزائل أما المؤمن فإنّ اعتماده ولو كان فقيرًا فقرًا مدقعًا فإنّ اعتماده على الله لأنّه هو الخالق وهو الرزاق وهو على كل شيءٍ قدير ) ) [3] .
وبذلك تستوفي هذه المحاورة أركان المحاجة، من وجود طرفين مختلفين في الرأي يدلي كل منهما بحجته لمغالبة خصمه والانتصار عليه. أما إذا فقدت المحاورة أحد أركان الحجاج فحينئذٍ لا نطلق عليها لفظة (المحاجّة) بل تكون مجرد حوار يراد به المراجعة في الكلام، وعلى هذا تكون المحاورة أعمّ من المحاجة فكل محاجة محاورة لأنها تتضمن مراجعة في الكلام، وليست كل محاورة محاجة لأنها قد تكون بين طرفين متفقين ولا تتضمن حجة.
دواعي المحاجّة:
إيراد الحجج والبراهين من الأمور التي عني بها التعبير القرآني وذلك لما واجهه من خصوم ومنكرين ومعارضين للتوحيد والدين الحق، فكان أمرًا لا محيد عنه أن يقيم القرآن (( الحجة والبرهان عند ظهور المعارضات والشبه لكي يلزم
(1) البحر المحيط 6/ 125.
(2) مناظرات القرآن الكريم ومحاوراته، مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد الثامن 21.
(3) الجدل في القرآن 61.