لقد استعمل القرآن التشبيه لكونه وسيلة من وسائل إيضاح المعنى وتقريبه من ذهن المخاطب، فحينما يعقد صلة بين أمرين لابد أن يكون أحدهما معروفًا أو قريبًا لدى المخاطب، والآخر يكون بعيدًا عن ذهنه أو غير واضح المعالم لديه فيقرب بينهما لغرض معين، والغرض من استعمال التشبيه في آيات المحاجة هو إلزام الخصم بحجة معينة من الحجج التي يوردها القرآن قطعًا لشبهته فلا يملك إلا أن يعترف بقوة الحق بعد أن يرى أن القرآن قد أفحمه بما يقنعه من أمور يعرفها ولا يستطيع إنكارها أو ردّها ولا سيما أن الصورة تصبح واضحة عند المخاطب حينما يرى أنّ ما أنكره لا يعدو أن يكون حقيقة ماثلة أمامه، لأنّ القرآن قد استحضر حالة هو يعرفها فمن ذلك قوله تعالى:
(( إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون ) ) [آل عمران/ 59] .
يظهر الجانب الاحتجاجي في الآية الكريمة، ففي وجه الشبه قطع لشبه المحاججين بخلق عيسى دون أب مع اعترافهم بخلق آدم دون أب وأم، وما جاء به التشبيه حاجة ضرورية لإقامة الدليل وإثبات الحجة، وذلك عن طريق تشبيه الغريب بالأغرب والبعيد بالأبعد، فإذا اعترف بالأغرب والأبعد كان الاعتراف والإقرار بالغريب والبعيد أولى، لأنّ عيسى قد أشبه آدم بأحد الطرفين وهو الخلق دون أب، ولكن آدم زاد عليه بالطرف الآخر، ولم يكن ذلك إلا لمحًا للصلة التي ربطت الأمرين في المجال الإعجازي من خلال التشبيه. وهنا يتضح أن التشبيه في القرآن عنصر أساسي في التركيب الجملي والمعنى العام لا يتم إلا به، فالقرآن يقصد إلى التشبيه بعد حاجة فنية تبنى عليها ضرورة الصياغة والتركيب، فهو وإن كان عنصرًا بيانيًا يكسب النص روعة واستقامة وتقريب فهم إلا أنّه يعدّ عنصرًا ضروريًا لأداء المعنى القرآني متكاملًا من جميع الوجوه [1] . وقد يستعمل
(1) ينظر الصورة الفنية في المثل القرآني 168_169.