الصفحة 197 من 233

والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )) . وخطوات الشّيطان وأمره أهواء مضلة وذلك كله في طرف نقيض من مقتضى العلم، وحصل من هذا أنّ الشيطان هو الذي يأمرهم ويدعوهم إلى أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، فحصل من هذا أنّه لا علم عندهم، ولا توهم علم وأنّهم اعتمدوا اتّباع آبائهم في ما يأمرهم به الشيطان فناسب هذا قولهم (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) ، لأنّ ما ألفوا عليه آباءهم وجدان (( علم معه حاصلًا، ولا متوهمًا فناسب جوابهم ما عليه حالهم، وما هم عليه ) ) [1] .

أمّا آية المائدة فقد سبقت بقوله تعالى: (( ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلة ولا حام ولكنّ الّذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ) )وفيها نفي لما ادعوه من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام، وهذا الادعاء مبني على توهمهم أنهم على علم فناسب قوله تعالى مخبرًا عنهم (بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) لاشتراك لفظ (وجد) إذ يكون بمعنى العلم [2] . فضلًا عن ذلك يبدو لي أنّ آية البقرة استعمل فيها الفعل (اتبعوا) والاتباع فيه إلزام إلى الشيء بقوة، فتناسب ذلك مع لفظ (ألفى) ، لأنّ المرء ـ على زعمهم ـ تألف نفسه ما عليه الآباء والأجداد مهما كانوا عليه من العلم أو الجهل. وتنفر من اتباع شيء على وجه الإلزام. في حين استعمل في آية المائدة الفعل (تعالوا) وهو أمر يوحي أن المرء كان في مكان عال فدعوه إلى النزول منه للاستماع إلى ما أمر الله ورسوله، وهذا الأمر يتناسب مع لفظ الاكتفاء بالشيء الموجود عندهم، وكأنّهم لا يريدون التنازل عمّا هم عليه من الجهل والبقاء في العلو ـ على زعمهم ـ لأنّه كان حاصلًا من آبائهم.

(1) ملاك التأويل 103_ 104.

(2) ينظر ملاك التأويل 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت