الصفحة 196 من 233

سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ، وإن هذا الكون بدقته وبديعه لا يمكن إلا أن يكون من خلق الله إذن هو نفى عنهم ـ هنا ـ التدبر والتعقل في أمور العبادة، وفي أمور هذا الكون ولكن عندما يقول (لا يعلمون) فقد نفى عنهم التعقل والعلم معًا، فهو يريد أن يقول لنا انّهم بجانب عدم تدبرهم في هذا الكون، وأنّهم لا يعقلون الآيات الموجودة فيه، هم أيضًا لا يعقلون ما علمه غيرهم من العلم، فالذي لا يعقل لا يتدبر ولا يفكر في آيات الكون، أمّا الذي لا يعلم فهو لا يفكر بعقله، ولا يعلم ما عقله غيره ... إنّه ليس لديه علم. ولا علم له من نتاج عقل غيره، فالعلم أوسع من التعقل ذلك أن العلم قد يكون علم غيري دوّنه أو كتبه وسجله وأكون أنا في هذه الحال قد أخذت هذا العلم وقرأته، فكأني علمت ما عقله غيري، فالله سبحانه يقول (لا يعقلون) أي أنهم لا يتدبرون في الكون مستعملين عقولهم، لأنهم يقولون (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) فجاء الردّ عليهم (أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون) .

ولكن حين يقول الله تعالى: (لا يعلمون) تأتي ردًا على كافرين قالوا: لا نريد شيئًا، ولا نريد علمًا، يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا، فرد الله عليهم: (أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون) أي أنهم لا يعلمون علمًا بعقلهم، ويرفضون العلم الذي وصل إليه غيرهم [1] .

وممّا يلاحظ على الآيتين أيضًا استعمال لفظ (ألفينا) في الآية الأولى و (وجدنا) في الآية الثانية. وإنّما جاء اختصاص الآية الأولى باللفظ (ألفينا) لأنّ (( وجد لفظ مشترك بمعنى العلم، وبمعنى العثور على الشيء الذي هو الوجدان. تقول من هذا: وجدت الضالة، أي عثرت عليها. وإذا تقرر هذا فنقول: إنّه قد تقدم قبل آية البقرة قوله تعالى: (( ياءيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيّبًا ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان إنّه لكم عدوٌّ مبين ) )ثم قال: (( إنّما يأمركم بالسّوء

(1) ينظر معجزة القرآن 53_ 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت