للمعبود خوفًا من العقاب أولًا، ثم رجاء الثواب ثانيًا، وقد تقدم في هذا المكان ما أوجب هذا التقديم، وهو قوله (قل إنّي أخاف إنْ عصيت ربّي عذاب يوم عظيم) . فكأنّه قال: ويعبدون من دون الله ما لا يخافون ضررًا في معصيته، ولا يرجون نفعًا في عبادته، أمّا في سورة الفرقان فقد تقدمت قبلها آيات، قدم فيها الأفضل على الأدون كقوله عزّ وجلّ:
(( وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ) ). وقوله بعده: (( وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا، وكان ربّك قديرًا ) )وصلة النسب أفضل من صلة المصاهرة كما أن العذب من الماء أفضل من الملح وقال بعده: (( ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ) )أي يتكلفون المشقة بعبادة ما لا يرجونه لنفع ولا يخشونه لضر، فقدم الأفضل على الأدون لهذا المعنى وللبناء على ما تقدم من الآيات [1] .
ومن ذلك قوله في سورة الرعد:
(( قل من ربّ السّموات والأرض قل الله أفاتّخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ) ) [الرعد/ 16] .
وقوله في سورة الفرقان:
(( واتّخذوا من دونه آلهةً لا يخلقون شيئًا وهو يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا ولا يملكون موتًا ولا حيوةً ولا نشورًا ) ) [الفرقان/ 3] .
فجاء تقديم (النفع) على (الضر) في سورة الرعد، وعكس ذلك في سورة الفرقان (( أمّا في سورة الرعد فإنّه قدم فيه الأفضل على الأنقص، لأنّ اجتلاب النفع أشرف من استدفاع الضر، وهو رتبة فوقه، فمن فاته كمال ذلك طلب دفع الضرر، فهو على وجهه في الترتيب. وأما في سورة الفرقان فإنه بنى على ما قبله وهو(لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون) وقوله (لا يخلقون) نفي (وهم يخلقون) إثبات، فقدم النفي على الإثبات، وكان الضرّ نفيًا والنفع إثباتًا، أي النفع إثبات المصالح
(1) ينظر درة التنزيل 209.