الأصنام التي نحتموها تماثيل وعكفتم عليها، فكأنّه سفه آراءهم وقال لهم: لمَ تفعلون ذلك وتعبدون ما تنحتون، فقالوا: وجدنا آباءنا لها عابدين فاقتدينا بهم. وفي سورة الشعراء تقدم سؤال اضربوا عنه ونفوا ما تضمنه لأنّه قال: (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون) فقالوا مضربين عن هذه الأشياء التي وبّخوا عليها من عبادتهم ما لا يسمع ولا ينفع ولا يضرّ وما يعلمون أنّه جماد لا حياة فيه ولا نفع ولا ضرر عنده، فكأنّهم قالوا لا، بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فلأن السؤال هما يقتضي في جوابهم أن ينفوا ما نفاه (عليه السلام) أضربوا عنه إضراب من ينفي الأول ويثبت الثاني، فاختصاص المكان ببل لهذا )) [1] . فضلًا عن ذلك أجابوا في آية الأنبياء بتسويغ عبادتهم الأصنام حسب، أما آية الشعراء فقد زاد إبراهيم (عليه السلام) في استفهامه عن صفات الآلهة: سمع إجابة الدعاء، النفع، الضر، فلزم هذا الإضراب أبعادًا للدخول في النقاش (محاجة) مع إبراهيم، ولأنّهم لا حجة قاطعة لديهم فردوا في جواب لا يراد به الحوار.
ومن ذلك قوله تعالى من سورة إبراهيم:
(( الله الّذي خلق السّموات والأرض وأنزل ماءً فأخرج به من الثّمرات رزقًا لكم ) ) [إبراهيم/ 32] .
وقوله تعالى من سورة النمل:
(( أمّن خلق السّموات والأرض وأنزل لكم من السّماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجةٍ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ) ) [النمل/ 60] .
فقد جرى ذكر (لكم) في الآية الثانية في قوله (وأنزل لكم من السماء ماءً) بخلاف الآية الأولى، والسبب في ذلك أن (( لكم في آخر الآية الأولى مذكورة لأنّه قال(فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم) فأغنى ذكرها هناك عن ذكرها
(1) درة التنزيل 299.