الصفحة 180 من 233

فهذه الأمور من مظاهر إبداعه تعالى وهي (( من العجائب، وتثير التأمل في هذا الكون، وتدعو إلى التفكير في هذه القدرة المبدعة، إلا أنّ الألفة لهذه الظواهر الكونية، وكثرة تكرار هذه المشاهد الحسيّة مما يهون وقعها على الحس ختمت هذه الآية بالفاصلة(إن في ذلك لقوم يتفكرون ) )) [1] .

وأسندت الفاصلة (يتفكرون) إلى ضمير الغائب في كلتا الآيتين للتناسب مع الأفعال المتقدمة من قوله (ينبت) و (مد) و (جعل) فإنها مسندة إلى ضمير الغائب. وممّا تجدر الإشارة إليه أن التعقل والتفكر يحتاجان إلى استعمال الفكر وإلى التأمل والتدبر وإذا كان الأمر كذلك فما الذي استوجب استعمال (يعقلون) في الآيات المذكورة سابقًا، واستعمال (يتفكرون) في هذه الآيات، الجواب على ذلك هو أن المعرفة مراحل أولها التفكر ثم يليه التعقل، لذا جيء في آيات النحل أولًا بالفاصلة (يتفكرون) ثم (يعقلون) . فالمخلوقات التي لفت أنظار المخاطبين إليها في فاصلة (يتفكرون) تختلف عن المخلوقات التي لفت الأنظار إليها في (يعقلون) . فمتدبر الثانية (( أعلى رتبة من متدبر ما تقدم إذ كانت المنافع المجهولة فيها أخفى وأغمض، فمن استدرك الآيات فيها استحق الوصف بما هو أعلى من رتبة المتفكر المتدبر، لأنّه المنزلة الثانية التي تؤدي إليها الفكرة وهو أن يعقل مطلوبه منها ويدرك فائدته منها ) ) [2] . وكذلك الحال في آيات الرعد فبدأ أولًا بالفاصلة (يتفكرون) ثم (يعقلون) ، لأنّ (( التفكر هو المؤدي إلى معرفة الشيء والعلم بالآيات التي تدلّ على توحيد الله تعالى وهو قبل، فإذا استعمل على وجهه عقل ما جعلت هذه الأشياء أمارة عليه ودلالة عليه فبدأ في الأول بما يحتاج إليه أولًا من التفكر والتدبر المفضيين بصاحبهما إلى إدراك المطلوب

(1) الفاصلة القرآنية 84.

(2) درة التنزيل 258_ 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت