الحسية الطريق إليها الحواس وأهمها البصر المفضي إلى التفكر فيما يحيط بهم من مخلوقات وكائنات تحار بها الألباب تستوقف من كان له حس وعقل فضلًا عن ذلك مخاطبتهم بما يتوافق مع إدراكهم من أنّ الأصنام التي يعبدونها هي دونهم في كلّ شيء وهذا ما يمكن أن يتوصلوا إليه بالحس، أما الأدلّة العقلية فهي الأمور الغيبية التي ينبغي أن يؤمنوا بها من خلال استعمال عقولهم، فهم ليسوا بقاصرين عن التفكير وإلا لما خاطبهم القرآن بهذه الأساليب التي توحي بإمكان تفهمهم وتعقلهم لما يقال لهم.
2_ التقرير:
يراد به (( حملك المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده ثبوته أو نفيه ) ) [1] . والاستفهام التقريري في القرآن يكون عن المقدمات البينة البرهانية التي لا يمكن لأحد أن يجحدها، وهي تدلّ على المطلوب لتقرير المخاطب بالحق ولاعترافه بإنكار الباطل، وهو يستدلّ بالقضايا والمقدمات التي يسلمها النّاس لتكون أدعى للانقياد للحق ومجانبة الباطل، ولا شك في أنّ في الاستفهام استشارة وبيانًا لما في النفوس ليكون الإلزام أبلغ وأقوى [2] فمن ذلك قوله تعالى: (( فاستفتهم أهم أشدّ خلقًا أم من خلقنا ) ) [الصافات/ 11] فجيء بفعل الاستفتاء ويريد به استخبرهم استخبار من يلجئ المخاطب للاعتراف بما بعده وهو الإقرار بأنّ الخلائق في الكون من ملائكة وسماوات وأرض ومشارق وكواكب ثاقبة وكلّ شيء إنما هو خلق الله لذا جاء قوله (أم من خلقنا) مطلقًا من غير تقييد بالبيان ليشمل الخلائق جميعًا وليكون أدعى للاعتراف بأنّ الله هو خالق هذه المخلوقات جميعًا سواء أ كان إدراكها بالحسّ أم بالعقل، وقوله (أشدّ خلقًا) يعني أصعب خلقًا وأشقه لردّ إنكارهم البعث والنشأة الأخرى وإن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق
(1) مغني اللبيب 1/ 18.
(2) ينظر مناهج الجدل في القرآن 69_70.