فجاء الاستفهام بـ (من) ابتداء مع فعل الخلق والتسخير لكي يفحم الكافر ويدمغه بالحجة فلا يستطيع أن ينكر فاعل هذه الأشياء ثم ذيل بجملة (أنّى يؤفكون) للإنكار عليهم جحد عبادته سبحانه، فكيف يصرفون عن توحيده ومعرفته، ووجب تعقيب الآية بالإفك، لأن المراد منها الاستدلال بهذا الخلق العظيم وما هو عليه من جليل التناسب، وإتقان الصنعة وإحكامها من غير تفاوت ولا فطور [1] .
وجاءت (كيف) دالّة على الإنكار في سياق يقتضي ذلك نحو قوله تعالى:
(( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ) ) [البقرة/ 28] .
وفيه إنكار للحال التي يقع فيها كفر المشركين، ودلالته على الإنكار فيه قوة ومبالغة، لأنّه إنكار للحال (( وحال الشيء تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال، فكأنّ إنكار حال الكفر لأنّها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكارًا لذات الكفر وثباتها على طريق الكناية وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ ) ) [2] . والإنكار هنا لا يعني إنكار الوقوع بل إنكار الواقع واستبعاده والتعجيب منه لذا (( أتى بصيغة تكفرون مضارعًا ولم يأت به ماضيًا وإن كان الكفر قد وقع منهم، لأنّ الذي أنكر وتعجب منه الدوام على ذلك والمضارع هو المشعر به ولئلا يكون ذلك توبيخًا لمن وقع منه الكفر ثم آمن إذ لو جاء كيف كفرتم بالله لا ندرج في ذلك من كفر ثم آمن ) ) [3] .
نخلص مما تقدم أنّ الإنكار جاء على لسان الفريقين فريق الإيمان وفريق الضلال غير أنّ الغرض عند الفريقين مختلف، فالإنكار عند فريق الضلال مردّه إلى عدم إدراكهم للأمور الغيبية، لذا استبعدوا بعث الإنسان بعد الموت وأنكروه لعدم إدراكه بالحواس، وذلك متأتٍ من تعطيل الطاقة المودعة عندهم وهي طاقة العقل، فعقولهم لا تستوعب بعث الإنسان بعد الموت، وتستبعد أن يكون الرسول من يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لهذا نرى أنّ فريق الإيمان ينكر على الكفار ما ذهبوا إليه من عبادة الأصنام وعدم توحيد الله وإنكارهم البعث بأدلّة حسيّة وعقلية: الأدلّة
(1) ينظر معترك الأقران 3/ 425_ 426.
(2) الكشاف 1/ 59.
(3) البحر المحيط 1/ 129_130.