الصفحة 147 من 233

(( للتنصيص على وحدانيته ذاتًا واسمًا وللتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ما فيه من البيان بعد الإبهام بإيراده موصولًا للدلالة على التفخيم ) ) [1] .

والملاحظ على التركيب أنّه يحاجج الكفار حجاجًا عقليًا يستوجب الإيمان بالله وحده ونبذ الشركاء، فالعقل يستلزم أن يعبد من كانت هذه صفاته أي (( رقيب مهيمن على كل نفس كائنة من كانت بما كسبت من خير وشر لا يخفى عليه شيء من ذلك بل يجازي كلًا بعمله وهو الله تعالى ) ) [2] لا من اتخذوهم شركاء ومن ذلك قوله تعالى: (( أفمن يخلق كمن لا يخلق أ فلا تذكّرون ) ) [النحل/ 17] (( فالاستفهام عن المساواة إنكاري، أي لا يستوي من يخلق بمن لا يخلق فالكاف للمماثلة، وهي مورد الإنكار حيث جعلوا الأصنام آلهة شريكة لله تعالى ) ) [3] وجيء بـ (من) الموصولة الدالة على العاقل في قوله (كمن لا يخلق) مشاكلة لقوله (أ فمن يخلق) [4] ولكي تتم الموازنة في صلتها، فالجملة الأولى (أ فمن يخلق) جيء فيها بفعل مضارع يفيد تجدد الحدث واستمراره إلى ما شاء الله والثانية (أ فمن لا يخلق) حرف نفي مع فعل الخلق ليدل على انتفاء الحدث مهما تجدد، وبذلك تظهر القدرة المطلقة لله وانتفاء القدرة لغيره لذا جاء التذييل بقوله (أ فلا تذكرون) ليحث الكفار على التذكر وموقعه العقل، أي استغلوا الطاقة العقلية في عملية التذكر لتتوصلوا إلى انتفاء المساواة بين من يخلق ومن لا يخلق.

إنّ دلالة الإنكار ليست وقفًا على الهمزة ومدخولها، بل تأتي أدوات وأساليب دالّة على الإنكار وذلك بمعونة السياق والقرائن المحيطة بالنص منها (من) جاءت دالّة على الإنكار في سياق يقتضي ذلك، والإنكار فيها يتجه بحسب مدلولها، ومدلول (من) إنّما هو إنكار للذات العاقلة [5] جاء على لسان الكفار قوله تعالى: (( من يحيي العظام وهي رميم ) ) [يس/ 78] فـ (( الاستفهام في قوله(من يحيي العظام)

(1) إرشاد العقل السليم 3/ 169.

(2) المصدر نفسه 3/ 168.

(3) التحرير والتنوير 14/ 123.

(4) ينظر إعراب القرآن وبيانه 5/ 282.

(5) ينظر أساليب الاستفهام في القرآن 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت