فقوله (( أ كفرت استفهام إنكار وتوبيخ حيث أشرك مع الله غيره ) ) [1] فالقوى العقلية لهذا الكافر معطلة وكفره (( أمره غريب مناقض للعقل، مثير للإنكار والعجب والتوبيخ، لأنّه ما كان له أن يجحد الخالق بعد وضوح حقائق الخلق ) ) [2] . فالمقام يوحي بجهل الكافر وتعنته (( لأن المؤمن بيّن لصاحبه الكافر أقوى دلائل الإيمان وهي الخلق من تراب ثمّ من نطفة ثمّ التّسوية، فلو كان المخاطب ممّن له إدراك لما هوى إلى هذه الهاوية ) ) [3] . وقد تدخل الهمزة على أداة النفي فتفيد الإنكار أي (( إنكار الواقع في النفي بمعنى أنّ المخاطبين قد تركوا فعلًا ما كان ينبغي أن يتركوه، فترك الفعل قد وقع منهم، وهذا معنى إنكار الواقع في النفي، وهذه الأساليب تفيد التوبيخ على هذا الترك، وتفيد أيضًا طلب هذا الفعل المتروك ) ) [4] . ففي قوله تعالى: (( ألم يروا أنّا جعلنا الّيل ليسكنوا فيه والنّهار مبصرًا إنّ في ذلك لآيات لقومٍ يؤمنون ) ) [النمل/ 86] .
ذكر الله تعالى (( أظهر الآيات وأكثرها تكرارًا على حواسهم وأجدرها بأن تكون مقنعة في ارعوائهم عن شركهم، وتلك هي اختلاف الّليل والنّهار الدّالّة على انفراده تعالى بالتصرف في هذا العالم ) ) [5] .
وقد أفاد الاستفهام الإنكار والتعجب من عدم الرؤية المفضية إلى التفكر في أظهر آيات القدرة التي الطريق إليها المشاهدة ومع هذا لم يروا رؤية مفكر ومدبر، ومن ذلك قوله تعالى:
(( أولم يروا أنّا خلقنا لهم ممّا عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون ) ) [يس/ 71] . فالاستفهام (( للإنكار والتعجيب أي أ ولم ينظروا نظر اعتبار، ويتفكروا فيما أبدعته أيدينا من غير واسطة وبلا شريك ولا معين ـ ممّا خلقناه لهم ولأجلهم من الأنعام ...
(1) البحر المحيط 6/ 127.
(2) أساليب التعجب في القرآن 54.
(3) التفسير البلاغي للاستفهام 145.
(4) أساليب الاستفهام في القرآن 53.
(5) التحرير والتنوير 20/ 43.