تحقيق وقوع البعث، لذلك أتى بالجملة المسلط عليها الإنكار مقترنة بلام الابتداء الدالّة على توكيد الجملة الواقعة هي فيها، أي يقول لا يكون ما حققتموه من إحيائي في المستقبل [1] . والملاحظ على النصين السابقين أنّ إنكار الكفار للبعث متأتٍ من عدم إدراكهم للأمور الغيبية، وذلك لعدم إعمال عقولهم المقتضية النظر والتفكر إلى ابتداء الخلق، لذا جاء الرد حاسمًا في الآية الأولى:
(( قل كونوا حجارةً أو حديدًا أو خلقًا ممّا يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الّذي فطركم أوّل مرةٍ ) ) [الإسراء/ 50_51] وفي الآية الثانية: (( أو لا يذكر الإنسان أنّا خلقناه من قبل ولم يك شيئًا ) ) [مريم/ 67] .
ولأن عقولهم موقوفة على المدركات الحسية، أنكر عليهم القرآن عبادتهم لمعبود فاقد للحواس التي يمتلكونها هم مشيرًا بذلك إلى أنّ العابد أفضل من المعبود وذلك في قوله تعالى:
(( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيدٍ يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها ) ) [الأعراف/ 195] .
فقد أفاد الاستفهام الإنكار [2] ، وصاحبه التبكيت [3] والتعجيب، فمعبودوهم جماد لا حراك لهم فاقدون لهذه الأعضاء ومنافعها، إذًا فالعابدون أفضل منهم، وقد يتوجه الإنكار فيه إلى انتفاء هذه الأعضاء وانتفاء منافعها فيتسلط النفي على الوصف أي وإن كانت لهم هذه الأعضاء مصورة فقد انتفت المنافع التي للأعضاء [4] . ومن ذلك قوله تعالى:
(( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالّذي خلقك من ترابٍ ثمّ من نطفةٍ ثمّ سوّاك رجلًا ) ) [الكهف/ 37] .
(1) ينظر التحرير والتنوير 16/ 145.
(2) ينظر التبيان في تفسير القرآن 5/ 70.
(3) ينظر إرشاد العقل السليم 2/ 334.
(4) ينظر البحر المحيط 4/ 445.