وقد رافقت الإنكار الذي يعد معنى بلاغيًا أصليًا [1] دلالات فرعية، دلّ عليها السياق وقرائن الأحوال كالتعجب والتهكم والتوبيخ وغيرها، وأغلب الظن أن ذلك يعود إلى تقوية الدلالة على الإنكار والمبالغة فيه مما يكون أثره أبلغ في النفس، فضلًا عن ذلك ثمة تقارب معنوي بين هذه الدلالات مما يجعلها متضامّة لإحداث الأثر المعنوي.
وقد تنوعت أساليب الإنكار، وتعددت أنماطه في آيات المحاجة، غير أنّ الهمزة أكثر أدوات الاستفهام دلالة عليه [2] ، وقد كثر ورودها دالّة على الإنكار في آيات المحاجة مع دلالات مستقاة من السياق نذكر من ذلك ما جاء فيه الإنكار على لسان الكفار نحو قوله تعالى:
(( وقالوا ءإذا كنّا عظامًا ورفاتًا ءإنّا لمبعوثون خلقًا جديدًا ) ) [الإسراء/49] . فالتركيب يحتوي على دلالات بلاغية متعددة، فالإنكار هو الأصل في الاستفهام وقد أفاد السياق دلالة التعجب والاستبعاد إذ (( استبعدوا أنّه بعد ما يصير الإنسان رفاتًا يحييه الله ويعيده ) ) [3] (( ومما يعضد الدلالات البلاغية دلالة فعل الشرط الزمنية، فالسياق يوحي بطول الزمن وتقادمه مما يجعل الإعادة ـ حسب رأيهم ـ مستبعدة وصعبة ) ) [4] وقد تأكد الإنكار على لسانهم إذ أنّ (( تكرير الهمزة في قولهم(أئنا) لتأكيد النكير، وتحلية الجملة بأن واللام لتأكيد الإنكار )) [5] .
ومن ذلك قوله تعالى: (( ويقول الإنسان ءإذا ما متّ لسوف أخرج حيًّا ) ) [مريم/ 66] .
أفاد الاستفهام الإنكار والاستبعاد [6] فضلًا عن التعجيب، لذا أتى بفعل (يقول) مضارعًا لاستحضار حالة هذا القول للتعجيب من قائله تعجيب إنكار، إذ أنكر
(1) ينظر أساليب الاستفهام في القرآن 247.
(2) ينظر المصدر نفسه 203.
(3) البحر المحيط 6/ 44.
(4) أساليب التعجب في القرآن 60.
(5) إرشاد العقل السليم 3/ 333.
(6) ينظر التفسير الكبير 21/ 241.