(( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتّبعوكم ) ) [الأعراف/ 193] .
فالخطاب (( للمشركين بطريق الالتفات المنبئ عن مزيد الاعتناء بأمر التوبيخ والتبكيت ) ) [1] . فالفعل بعد (إن) غير متحقق الوقوع، فلا يمكن لعاقل أن يدعو الأصنام إلى هدى، والجواب أيضًا منتفٍ (لا يتبعوكم) ومادام الشرط والجواب منتفيين فالنتيجة إثبات عجز الآلهة التي يعبدها الكفار، وهذا غاية التّوبيخ والتبكيت لمن عبدها.
دلالة الأدوات المتضمنة معنى الشرط:
وردت في آيات المحاجة أداتان تضمنتا معنى الشرط هما: (من) و (لو) وقد ذكرت (لو) هنا على الرغم من أنها لا تخضع لمعنى التضمن كما جرى تعريفه في بحث سابق [2] وذلك، لأنّها جاءت في بعض الآيات دالّة على معنى الشرط في معرض حجاج الكفار، وهي من الآيات البينة الواضحة التي تثبت ألوهية الله سبحانه، إذ حاجج بها المتكلمون ضمن ما يسمى بالمذهب الكلامي.
فمن مجيء (من) متضمنة معنى الشرط قوله تعالى:
(( فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ) ) [آل عمران/ 61] .
فتحقق القول مرهون بتحقق الحجاج، إذ أمر الله سبحانه رسوله (صلى الله عليه وآله) بهذا الخطاب (( إن استمروا على محاجتهم إيّاك مكابرة في هذا الحق أو في شأن عيسى فادعهم إلى المباهلة والملاعنة ) ) [3] ولأن المحاجين أناس عقلاء جيء بـ (من) الدالة على العقلاء في أصل استعمالها والمتضمنة معنى الشرط حين دخلت في سياق اقتضى فعلين يتوقف حصول الثاني منهما على حصول الأول.
وقد دخلت (لو) في سياق دلّت به على معنى التمانع، إذ أنّها أصلح الأدوات للتعبير عن هذه الدلالة فإنها حين تفيد معنى الشرط تدل في الغالب على امتناع
(1) إرشاد العقل السليم 2/ 333.
(2) ينظر تضمن الجملة غير الشرطية معنى الشرط في القرآن 30.
(3) التحرير والتنوير 3/ 264.