فقوله (وما الله بغافل) جيء بلفظ الجلالة بعد (ما) للاهتمام به فإنّه المتحدث عنه، وجيء بالباء توكيدًا لنفي الغفلة عن الله سبحانه أي (( ليس الله بساهٍ عن كتمان الشهادة التي لزمكم القيام بها لله تعالى ) ) [1] . ومن ذلك قوله تعالى:
(( وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذَّبين ) ) [سبأ/ 35] .
فقوله (وما نحن بمعذّبين) جاء على لسان مشركي مكة، إذ نفوا العذاب عنهم يوم القيامة نفيًا مؤكدًا، لاعتقادهم أنّ الله سبحانه راضٍ عنهم بدليل أنَّه بسط لهم الرّزق، فقاسوا أمر الدنيا على الآخرة، وظنوا أنّ الله كما أعطاهم الأموال والأولاد في الدّنيا لا يعذبهم في الآخرة [2] .
ومنه قوله تعالى: (( وقال الشّيطان لمّا قضي الأمر إنّ الله وعدكم وعد الحقّ ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ ) ) [إبراهيم/ 22]
قابل الشيطان بين قوله (ما أنا بمصرخكم) وقوله (ما أنتم بمصرخيّ) توكيدًا لنفي الإغاثة، فقوله (ما أنا بمصرخكم) جاء بضمير المتكلم وبالباء في الخبر مبالغة في بيان عدم إصراخه إياهم، وقابل به الضمير (أنتم) مخاطبًا لهم بنفي إصراخهم إيّاه إيذانًا بأنه أيضًا مبتلى بمثل ما ابتلوا به ومحتاج إلى الإصراخ فكيف من إصراخ الغير [3] .
نخلص ممّا تقدّم أنّ مجيء (الباء) في التراكيب المذكورة آنفًا (( لتوكيد دلالة النفي المسلط على الخبر، فـ(الباء) حرف معنى، وجر، ولكنّه ليس حرفًا زائدًا، لأنّ وجوده أفاد معنى قوة النفي وتأكيده لكنّ العلماء يجعلونه زائدًا، وزيادته للتوكيد )) [4] .
النفي بـ (لا) :
(1) التبيان في تفسير القرآن 1/ 490.
(2) ينظر صفوة التفاسير 13/ 16.
(3) ينظر إرشاد العقل السليم 3/ 188.
(4) الحروف الثنائية غير المختصة في القرآن 355، ينظر شرح المفصل 8/ 138.