فقد نفى نوح (عليه السلام) أن يكون لقومه إله غير الله، وتأكيدًا للنفي جيء بـ (من) لتدلّ على أنّه قد نفى كل إله، ولو قيل (ما لكم إله غيره) لجاز أن يكون ثمة إلهان وأكثر [1] .
ومن ذلك قوله تعالى على لسان المستكبرين:
(( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ) [إبراهيم/ 21] .
فجملة (سواء علينا أ جزعنا أم صبرنا) (( تبيين عن سؤال من الضّعفاء يستفتون المستكبرين أ يصبرون أم يجزعون تطلبًا للخلاص من العذاب فأرادوا تأييسهم من ذلك يقولون: لا يفيدنا جزع ولا صبر، فلا نجاة من العذاب، فضمير المتكلم المشارك شامل للمتكلمين والمجابين جمعوا أنفسهم إتمامًا للاعتذار عن توريطهم ) ) [2] ثم أردف الكلام بالنفي المؤكد بـ (من) (ما لنا من محيص) دفعًا لما قد يساور الإنسان من أمل في النجاة أي (( ما لنا من مهرب ولا معدل عن العذاب ) ) [3] .
إنَّ هذا الأسلوب الذي يأتي فيه الخبر بعد (ما) متقدمًا على الاسم المبتدأ النكرة مجرورًا بـ (من) (( يشبه في قوته وشموله أسلوب(لا) النافية للجنس، لأن مجيء (ما) و (من) المؤكدة وبعدها نكرة يفيد استغراق النفي وشموله في هذا التركيب )) [4] .
وقد جاء المبتدأ بعد (ما) معرفة، والخبر مؤكدًا بـ (الباء) في مواضع منها قوله تعالى:
(( أم تقولون إنّ إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممّن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافلٍ عمّا تعملون ) ) [البقرة/ 140] .
(1) ينظر الأصول في النحو 1/ 109.
(2) التحرير والتنوير 13/ 217.
(3) معاني القرآن وإعرابه 3/ 158.
(4) الحروف الثنائية غير المختصة في القرآن 348.