له غير ذلك، ثم نعته الله جل ثناؤه بنعته، ووصفه بصفته، فقال: هو رسول الله، أرسله الله بالحق إلى من أرسله إليه من خلقه )) [1] .
فكلا الوصفين كانا بمثابة التوكيد لعبودية المسيح لله تعالى، فتضمن التركيب بذلك ثلاثة توكيدات: القصر بـ (إنّما) ووصف المسيح بأنّه ابن مريم ورسول الله، أمّا المرّة الثانية ففي قوله تعالى:
(( إنّما الله إله واحد ) )إذ (( أكّد ذلك بأنّ الله تعالى واحد ليس له أجزاء فهو واحد بالذات منزّه عن التعدّد مطلقًا. وفي ذلك ردّ على مقالتهم التي تدلّ على التّعدد ) ) [2] .
إنّ تكرار التوكيد بـ (إنّما) متأتٍ من موقف النصارى وإصرارهم على الجحد والإنكار فتطلب ذلك قوة في التوكيد فـ (إنّما) (( غالبًا ما تكون في سياق فيه إنكار وجحد، يحتاج إلى درجة عالية من توكيد الخبر ) ) [3] فكيف إذا جاءت مرتين في سياق واحد، والتوكيد بـ (إنّما) توكيد إثبات كما رأينا في النص السابق وهذا ما تنماز به من التوكيد بـ (النفي وإلا) فالأخير توكيد نفي [4] ، وهو أصل في إفادة معنى القصر في حين يعد القصر بـ (إنّما) أمرًا عارضًا فيها، لتضمنها معنى ما وإلا [5] جاء في البحر المحيط (( وليست صيغة إنّما تقتضي الحصر ولكنها تصلح للحصر والمبالغة في الصفة ) ) [6] .
بناءً على ما تقدم يظهر أنَّ الغرض من استعمال أسلوب القصر لم يكن واحدًا عند الفريقين، فريقي الإيمان والضلال، فقد استعمل على لسان فريق الضّلال لاعتقادهم أنّ الطرف الآخر مخطئ، لذا ينبغي الإنكار عليه بأسلوب فيه قوة في التوكيد، في حين استعمله أهل الإيمان لمراعاتهم جهل المخاطبين ليثبتوا من خلال
(1) جامع البيان 6/ 35.
(2) مواهب الرحمن 10/ 224.
(3) أسلوب التوكيد اللغوي 28.
(4) ينظر من أسرار اللغة 175.
(5) ينظر مفتاح العلوم 291.
(6) البحر المحيط 3/ 402.