يتجاوزها إلى غيرها، وهي الإلهية. فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى أنّه الله )) [1] .
إنّ الحقائق المراد توكيدها وإثباتها إنما جاءت بهذا الأسلوب لأجل الإقناع فهو (( يحاور العقول ليقنعها بما يرفضه مكابرة، وليس أسلوب تذكير ولفت لما هو مستقر في النفوس ) ) [2] . ومن ذلك قوله تعالى:
(( فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين إنّ هذا لهو القصص الحقّ وما من إلهٍ إلا الله وإنّ الله لهو العزيز الحكيم ) ) [آل عمران/ 61] .
فقوله (ما من إله إلا الله) تأكيد لإلوهية الله سبحانه، لأنّ الخطاب موجّه إلى من يرفض ذلك فقد (( قصر الإلوهية على الله في مثل هذا منظور فيه إلى حال المخاطب، لأنّه كلام موجّه إلى من يرفض هذه الحقيقة ويجادل فيها ويناهض بالحجة والدليل وهو قصر صفة على موصوف قصرًا حقيقيًا تحقيقيًّا ) ) [3] .
يتضح من النصين الكريمين أن أسلوب القصر بـ (ما وإلا) يأتي لإثبات حقائق يرفضها المخاطبون، وإنّ الغرض منه إقناعهم ورجوعهم إلى الحق.
أما القصر بـ (إنّما) فقد جاء مرتين في قوله تعالى:
(( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرًا لكم إنّما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ) ) [النساء/ 171] .
فالخطاب موجّه لـ (( طوائف من النصارى حين قالوا عيسى ابن الله ) ) [4] . ممّا يستدعي تأكيد عبودية المسيح (عليه السلام) مرتين الأولى في قوله تعالى: (( إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ) )أي (( ما المسيح أيّها الغالون في دينهم من أهل الكتاب بابن الله كما تزعمون، ولكنّه عيسى بن مريم دون غيرها من الخلق، لا نسب
(1) التحرير والتنوير 6/ 285.
(2) دلالات التراكيب 57.
(3) المصدر نفسه 103.
(4) أسباب النزول 138.