فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 759

وجعله سببا هو من نعم اللّه عليه، وهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه، فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسببيته، وقد يجعل لها معارضا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة.

وأما قول القائل: بشفاعة آلهتنا، فتضمن الشرك، مع إضافة النعمة إلى غير وليّها، فالآلهة التي تعبد من دون اللّه أحقر وأذل من أن تشفع عند اللّه، وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها. وأقرب الخلق إلى اللّه وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه. فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنعم بتأهيل المشفوع له إذ ليس كل أحد أهلا أن يشفع له، فمن المنعم على الحقيقة سواه؟! قال تعالى وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (53) [النحل] .

فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا ذم اللّه سبحانه من آتاه شيئا من نعمه فقال: إنما أوتيته على علم عندي. وفي الآية الأخرى فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ (49) [الزمر] .

وقال البغوي: على علم من اللّه أنّي له أهل. وقال مقاتل: على خير علمه اللّه عندي. وقال آخرون: على علم من اللّه أني له أهل، ومضمون هذا القول، أن اللّه آتانيه على علمه بأني أهله. وقال آخرون: بل العلم له نفسه، ومعناه: أوتيته على علم مني بوجوه المكاسب، قاله قتادة وغيره، وقيل:

المعنى قد علمت أني لما أوتيت هذا في الدنيا، فلي عند اللّه منزلة وشرف، وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف. قال تعالى: بل هي فتنة، أي:

النعم التي أوتيها، فتنة نختبره فيها ومحنة نمتحنه بها، لا يدل على اصطفائه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت