فهرس الكتاب

الصفحة 674 من 759

المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس.

فإن قيل: فكيف يجتمع الرضاء بالقضاء بالمصائب مع شدة الكراهة والنفرة منها، وكيف يكلف العبد أن يرضى بما هو مؤلم له، وهو كاره له، والألم يقتضي الكراهة والبغض المضاد للرضا واجتماع الضدين محال.

قيل: الشي ء قد يكون محبوبا مرضيا من جهة، ومكروها من جهة أخرى، كشرب الدواء النافع الكريه، فإنّ المريض يرضى به مع شدة كراهته له، وكصوم اليوم الشديد الحر، فإن الصائم يرضى به مع شدة كراهته له، وكالجهاد للأعداء، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (216) [البقرة] .

فالمجاهد المخلص يعلم أنّ القتال خير له، فرضي به وهو يكرهه لما فيه من التعرض لإتلاف النفس وألمها ومفارقة المحبوب، ومتى قوي الرضا بالشي ء وتمكن، انقلبت كراهته محبة، وإن لم يخل من الألم، فالألم بالشي ء لا ينافي الرضا به، وكراهته من وجه لا ينافي محبته وإرادته والرضاء به من وجه آخر.

فإن قيل: فهذا في حكم رضا العبد بقضاء الرب، فهل يرضى سبحانه ما قضي به من الكفر والفسوق والعصيان بوجه من الوجوه؟.

قيل: هذا الموضع أشكل من الذي قبله، قال كثير من الأشعرية، بل جمهورهم ومن اتبعهم: إن الرضا والمحبة والإرادة في حق الرب تعالى بمعنى واحد، وإن كل ما شاءه وأراده، فقد أحبه ورضيه، ثم أوردوا على أنفسهم هذا السؤال، وأجابوا بأنه لا يمتنع أن يقال: إنه يرضى بها، ولكن لا على وجه التخصيص، بل يقال: يرضى بكلّ ما خلقه وقضاه وقدره، ولا نفرد من ذلك الأمور المذمومة، كما يقال: هو ربّ كل شي ء، ولا يقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت