فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 759

فأجابهم طائفة: بأنّ لها وجهين، وجها يرضى بها منه، وهو إضافتها إلى اللّه سبحانه خلقا ومشيئة، ووجه يسخط منه، وهو إضافتها إلى العبد فعلا واكتسابا، وهذا جواب جيد، لو وفّوا به، فإنّ الكسب الذي أثبته كثير منهم، لا حقيقة له، إذ هو عندهم مقارنة الفعل للإرادة والقدرة إيجاد به، من غير أن يكون لهما تأثير بوجه ما، وقد تقدم الكلام في ذلك بما فيه كفاية.

وأجابهم طائفة أخرى: بأنّا نرضى بالقضاء الذي هو فعل الرب، ونسخط المقضي الذي هو فعل العبد، وهذا جواب جيد، لو لم يعودوا عليه بالنقض وبالإبطال، فإنهم قالوا: الفعل غير المفعول، فالقضاء عندهم نفس المقضي، فلو قال الأولون بأن للكسب تأثيرا في إيجاد الفعل، وأنه سبب لوجوده. وقال الآخرون: بأن الفعل غير المفعول، لأصابوا في الجواب.

وأجابتهم طائفة أخرى بأن من القضاء ما يؤمر بالرضا به، ومنه ما ينهى عن الرضا به، فالقضاء الذي يحبه اللّه ويرضاه، نرضى به، والذي يبغضه ويسخطه، لا نرضى به، وهذا كما أن من المخلوقات ما يبغضه ويسخطه، وهو خالقه كالأعيان المسخوطة له، فهكذا الكلام في الأفعال والأقوال سواء، وهذا جواب جيد، غير أنه يحتاج إلى تمام، فنقول: الحكم والقضاء نوعان: ديني، وكوني.

فالدينيّ يجب الرضا به، وهو من لوازم الإسلام. والكونيّ منه ما يجب الرضا به، كالنّعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به، كالمعايب والذنوب التي يسخطها اللّه، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب، وفي وجوبه قولان. هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته، فالرضا به من تمام الرضا باللّه ربا وإلها ومالكا ومدبرا، فبهذا التفصيل يتبين الصواب، ويزول اللبس في هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت