فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 759

وعلى هذا فهاهنا إرادتان ومرادان، إرادة أن يفعل، ومرادها فعله القائم به، وإرادة أن يفعل عبده، ومرادها مفعوله المنفصل عنه، وليسا بمتلازمين، فقد يريد من عبده أن يفعل، ولا يريد من نفسه إعانته على الفعل وتوفيقه له وصرف موانعه عنه، كما أراد من إبليس أن يسجد لآدم، ولم يرد من نفسه أن يعينه على السجود، ويوفقه له، ويثبّت قلبه عليه، ويصرفه إليه، ولو أراد ذلك منه، لسجد له لا محالة.

وقوله: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16) [البروج] إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال عبيده، وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى خير وشر، كما تقدم، وعلى هذا فإذا قيل: هو مريد للشر، أوهم أنه محبّ له راض به، وإذا قيل: إنه لم يرده، أوهم أنه لم يخلقه ولا كوّنه، وكلاهما باطل، ولذلك إذا قيل: إن الشر فعله أو أنه يفعل الشر، أوهم أن الشر فعله القائم به، وهذا محال، وإذا قيل: لم يفعله أو ليس بفعل له، أوهم أنه لم يخلقه ولم يكوّنه، وهذا محال.

فانظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي والإثبات، من الحق والباطل، الذي يتبين بالاستفصال والتفصيل، وإنّ الصواب في هذا الباب ما دلّ عليه القرآن والسنة من أن الشر لا يضاف إلى الرب تعالى، لا وصفا ولا فعلا، ولا يتسمى باسمه بوجه من الوجوه، وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم، كقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (2) [الفلق] فما هاهنا موصولة أو مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول، أي: من شرّ الذي خلقه أو من شر مخلوقه، وقد يحذف فاعله، كقوله حكاية عن مؤمني الجن: وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) [الجن] وقد يسند إلى محله القائم به كقول إبراهيم الخليل: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ (79) وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) [الشعراء] وقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت