فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 759

عن ذلك، ومن هذا قوله تعالى: وَ إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (124) [الأنعام] فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهلها، ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن في هذا جوابا، بل كان الجواب أن أفعاله لا تعلّل، وهو يرجّح مثلا على مثل بغير مرجّح، والأمر عائد إلى مجرد القدرة، كما يقوله المنكرون، وكذلك قوله: وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) [الأنعام] .

فلما سألوا عن التخصيص بمشيئة اللّه، وأنكروا ذلك، أجيبوا بأن اللّه أعلم بمن يصلح لمشيئته، وهو أهل لها، وهم الشاكرون الذين يعرفون قدر النعمة، ويشكرون عليها المنعم، فهؤلاء يصلحون لمشيئته، ولو كان الأمر عائدا إلى محض المشيئة، لم يحسن هذا الجواب، ولهذا يذكر سبحانه صفة العلم، حيث يذكر التخصيص والتفصيل بينهما على أنه بما حصل بعلمه سبحانه بما في التخصيص المفصل، مما يقتضي تخصيصه وتفصيله، وهو الذي جعله أهلا لذلك، كما قال تعالى: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْ ءٍ عالِمِينَ (81) [الأنبياء] فذكر علمه عقيب ذكر تخصيصه سليمان بتسخير الريح له، وتخصيصه الأرض المذكورة بالبركة.

ومنه قوله:* جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ (97) [المائدة] فذكر صفة العلم التي اقتضت تخصيص هذا المكان وهذا الزمان بأمر، اختصّا به دون سائر الأمكنة والأزمنة.

ومن ذلك قوله سبحانه: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمًا (26) [الفتح] فأخبر أنه وضع هذه الكلمة عند أهلها ومن هم أحق بها، وأنه أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت