فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 759

أضدادها للقلب.

إذا عرف هذا، فالشرّ بالذات هو عدم ما هو ضروري للشي ء في وجوده أو بقائه أو كماله، ولهذا العدم لوازم من شر أيضا، فإنّ عدم العلم والعدل يلزمهما من الجهل والظلم ما هو شرور وجودية، وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر وجودي، وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط والعلوم التي لا يضر الجهل بها، فليس بشرّ في الحقيقة، ولا وجودها سببا للشر، فإنّ العلم منه حيث هو علم، والغنى منه حيث هو غنى، لم يوضع سببا للشر، وإنما يترتب الشر من عدم صفة تقتضي الخير، كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغني، فيحصل الشر له في غناه بعدم هذه الصفات، وكذلك عدم الحكمة ووضع الشي ء موضعه، وعدم إرادة الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتّب الشر له على ذلك، فظهر أنّ الشر لم يترتب إلا على عدم، وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرا ولا سببا للشر، فالأمور الوجودية ليست شرورا بالذات، بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة، فإنك لا تجد شيئا من الأفعال التي هي شر إلا وهي كمال بالنسبة إلى أمور، وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور أخر، مثال ذلك أنّ الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر، وهي القوة الغضبية التي كمالها بالغلبة، ولهذا خلقت، فليس في ترتب أثرها عليها شرّ من حيث وجوده، بل الشر عدم ترتب أثرها عليها البتة، فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة، وإنما الشرّ الوجوديّ الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى المظلوم بفوات نفسه أو ماله أو تصرفه، وبالنسبة إلى الظالم، لا من حيث الغلبة والاستيلاء، ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه، فعدل به من محله إلى غير محله، ولو استعمل قوّة الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة والبهيمة، لكان ذلك خيرا، ولكن عدل به إلى غير محله، فوضع القهر والغلبة موضع العدل والنصفة، ووضع الغلظة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت