فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 759

وتحقيق ذلك أن اللّه سبحانه بعدله وحكمته أعطى العبد قدرة وإرادة، يتمكن بها من جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فأعانه بأسباب ظاهرة وباطنة، ومن جملة تلك الأسباب القدرة والإرادة، وعرّفه طريق الخير والشر، ونهج له الطريق، وأعانه بإرسال رسله وإنزال كتبه، وقرن به ملائكته، وأزال عنه كل علة يحتج بها عليه، ثم فطرهم سبحانه على إرادة ما ينفعهم وكراهة ما يؤذيهم ويضرهم كما فطر على ذلك الحيوان البهيم، ثم كان كثير مما ينفعهم لا علم لهم به على التفصيل، والذي يعلمونه من المنافع أمر مشترك بينهم وبين الحيوانات، وثمّ أمور عظيمة هي أنفع شي ء لهم، لا صلاح لهم ولا فلاح ولا سعادة إلا بمعرفتها وطلبها وفعلها، ولا سبيل لهم إلى ذلك إلا بوحي منه وتعريف خاص، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، فعرّفهم ما هو الأنفع لهم وما فيه سعادتهم وفلاحهم، فصادفتهم الرّسل مشتغلين بأضدادها، قد ألفوها وساكنوها، وجرت عليها عوائدهم حين ألفتها الطباع، فأخبرتهم الرسل أنها أضرّ شي ء عليهم، وأنها من أعظم أسباب ألمهم وفوات أربهم وسرورهم، فنهضت الإرادة طالبة للسعادة والفلاح، إذ الدعوة إلى ذلك محركة للقلوب والأسماع والأبصار إلى الاستجابة فقام داعي الطبع والإلف والعادة في وجه ذلك الداعي معارضا له، يعد النفس ويمنّيها ويرغّبها ويزيّن لها ما ألفته واعتادته، لكونه ملائما له، وهو نقد عاجل وراحة مؤثرة ولذة مطلوبة ولهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر، وداعي الفلاح يدعو إلى أمر آجل في دار غير هذه الدار، لا ينال إلا بمفارقة ملاذّها وطيباتها ومسراتها وتجرّع مرارتها والتعرّض لآفاتها. وإيثار الغير لمحبوباتها ومشتهياتها، يقول: خذ ما تراه، ودع ما سمعت به. فقامت الإرادة بين الداعيين، تصغي إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، فههنا معركة الحرب ومحل المحنة، فقتيل وأسير وفائز بالظفر والغنيمة، فإذا شاء اللّه سبحانه رحمة عبد جذب قوى إرادته وعزيمته إلى ما ينفعه ويحييه الحياة الطيبة، فأوحى إلى ملائكته أن ثبّتوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت