فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 759

فكانت القدرة والإرادة من إحداثه سبحانه. واختيارها أحد المقدورين المرادين من قبلها، فهي التي رجّحته.

قالوا: والقادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بغير مرجّح، كالعطشان إذا قدّم له قدحان متساويان من كل وجه، والهارب إذا عنّ له طريقان، كذلك فإنه يرجّح أحدهما بلا مرجح، فاللّه سبحانه أحدث فيه إرادة الفعل، ولكن الإرادة لا توجب المراد، فإحداثها فيها امتحانا له وابتلاء، وأقدره على خلافها، وأمره بمخالفتها، ولا ريب أنه قادر على مخالفتها، فلا يلزم من كونها مخلوقة للّه حاصلة بإحداثه وجوب الفعل عندها.

وقال أبو الحسين البصري: إنّ الفعل يتوقف على الداعي والقدرة، وهما من اللّه، خلقا فيه، وعندهما يجب وجود الفعل باختيار العبد وداعيه، فيكون هو المحدث له بما فيه من الدواعي والقدرة.

فهذه طرق أصحابنا في الجواب عما ذكرتم.

قال السّنيّ: لم تتخلصوا بذلك من الإلزام، ولم تبينوا به بطلان حجتهم المذكورة، فلا منعتم مقدماتها، وبينتم فسادها، ولا عارضتموها بما هو أقوى منها، كما أنهم لم يتخلصوا من إلزامكم، ولم يبينوا بطلان دليلكم، وكان غاية ما عندكم وعندهم المعارضة وبيان كل منكم تناقض الآخر، وهذا لا يفيد نصرة الحقّ وإبطال الباطل، بل يفيد بيان خطئكم وخطئهم وعدو لكم وإياهم عن منهج الصواب. فنقول وباللّه التوفيق.

مع كلّ منكما صواب من وجه وخطأ من وجه، فأما صواب الجبريّ، فمن جهة إسناده الحوادث كلها إلى مشيئة اللّه وخلقه وقضائه وقدره. والقدري خالف الضرورة في ذلك، فإن كون العبد مريدا فاعلا بعد أن لم يكن، أمر حادث، فإما أن يكون له محدث، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له محدث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت