فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 759

الإرادة أمرا خارجا عنها، فحينئذ إما أن يكون مخلوقا، أو يكون هو الخالق سبحانه، والأول محال، لأن ذلك المحدث إن كان غير مريد، لم يمكنه جعل الإنسان مريدا وإن كان مريدا فالكلام في إرادته كالكلام في إرادة الإنسان سواء، فتعيّن أن يكون المحدث لتلك الإرادة هو الخالق لكل شي ء، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

قال القدري: قد اختلفت طرق أصحابنا في الجواب عن هذا الإلزام، فقال الجاحظ: العبد يحدث أفعاله بغير إرادة منه، بل مجرد قدرته وعلمه بما في الفعل من الملاءمة، فإذا علم موافقة الفعل له، وهو قادر عليه، أحدثه بقدرته وعلمه، وأنكر توقّفه على إرادة محدثة، وأنكر حقيقة الإرادة في الشاهد، ولم ينكر الميل والشهوة، ولكن لا يتوقف إحداث عليها، فإن الإنسان قد يفعل ما لا يشتهيه ولا يميل إليه. وخالفه جميع الأصحاب، وأثبتوا الإرادة الحادثة، ثم اختلفوا في سبب حدوثها.

فقال طائفة منهم: كون النفس مريدة أمر ذاتي لها، وما بالذات لا يعلّل، ولا يطلب سبب وجوده، وطريقة التعليل تسلك ما لم يمنع منها مانع، واختصاص الذات بالصفة الذاتية لا تعلل، فهكذا اختصاص النفس بكونها مريدة هو أمر ذاتي لها، وبذلك كانت نفسا. فقول القائل: لم أردت كذا، وما الذي أوجب لها إرادته، كقوله: لم كانت نفسا؟ وكقوله: لم كانت النار محرقة أو متحركة؟ ولم كان الماء مائعا سيالا؟ ولم كان الهواء خفيفا؟

فكون النفس مريدة متحركة بالإرادة هو معنى كونها نفسا، فهو بمنزلة قول القائل: لم كانت نفسا؟ وحركتها بمنزلة حركة الفلك، فهي خلقت هكذا.

قالت طائفة أخرى: بل اللّه سبحانه أحدث فيها الإرادة، والإرادة صالحة للضدين، فخلق فيها إرادة تصلح للخير والشر، فآثرت هي أحدهما على الآخر بشهوتها وميلها، فأعطاها قدرة صالحة للضدين، وإرادة صالحة لهما،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت