فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 759

قُلُوبَهُمْ (5) [الصف] فالإزاغة فعله، والزيغ فعلهم.

فإن قيل: أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله، وأنه لو لا إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا، وقد دلّت هذه الآية على أن فعله بعد فعلهم، وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن زاغوا، وهذا يدل على أن إزاغة قلوبهم هو حكمه عليها بالزيغ، لا جعلها زائغة، وكذلك قوله: أنطقنا اللّه، المراد: جعل لنا آلة النّطق، وأضحك وأبكى، جعل لهم آلة الضحك والبكاء، قيل: أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة التي زاغوا بها أولا عقوبة لهم على زيغهم، والربّ تعالى يعاقب على السيئة بمثلها، كما يثيب على الحسنة بمثلها، فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ الأول، فهم زاغوا أولا، فجازاهم اللّه بإزاغة فوق زيغهم.

فإن قيل: فالزيغ الأول من فعلهم، وهو مخلوق للّه فيهم، على غير وجه الجزاء، وإلا تسلسل الأمر، قيل: بل الزيغ الأول وقع جزاء لهم وعقوبة على تركهم الإيمان والتصديق لما جاءهم من الهدى، وهذا الترك أمر عدمي، لا يستدعي فاعلا، فإنّ تأثير الفاعل إنما هو في الوجود لا في العدم.

فإن قيل: فهذا التّرك العدمي له سبب، أولا سبب له؟ قيل: سببه عدم سبب ضده، فبقي، على العدم الأصلي، ويشبه هذا قوله: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ (19) [الحشر] عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم، فنسوا مصالحها أن يفعلوها، وعيوبها أن يصلحوها، وحظوظها أن يتناولوها، ومن أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها، وهي لا نعيم لها ولا سرور ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته، والإقبال عليه والإعراض عما سواه، فأنساهم ذلك لما نسوه، وأحدث لهم هذا النسيان نسيانا آخر، وهذا ضد حال الذين ذكروه، ولم ينسوه، فذكّرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت