فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 759

والعقاب على من هو أولى به، فأثبتوا نطق العبد حقيقة، وإنطاق اللّه له حقيقة، قال تعالى: وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ ءٍ (21) [فصلت] فالإنطاق فعل اللّه الذي لا يجوز تعطيله، والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره، كما قال تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) [الذاريات] فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي، حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به، وأن هذا حقيقة لا مجاز، ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا، لم يكن ناطقا عنده حقيقة، فلا يكون التشبيه بنطقه محققا لما أخبر به، فتأمله.

ونظير هذا قوله تعالى: وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى (43) [النجم] فهو المضحك المبكي حقيقة، والعبد الضاحك الباكي حقيقة، كما قال تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيرًا (82) [التوبة] وقال: أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَ تَضْحَكُونَ وَ لا تَبْكُونَ (60) [النجم] .

فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى، لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك، فإذا أحبّ عبدا أنطقه بما يحب، وأثابه عليه، وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه، فعاقبه عليه، وهو الذي أنطق هذا وهذا، وأجرى ما يحبّ على لسان هذا، وما يكره على لسان هذا، كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه، وعلى قلب هذا ما أبكاه، وكذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (22) [يونس] وقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ (11) [الأنعام] فالتسيير فعله حقيقة، والسير فعل العبد حقيقة، فالتسيير فعل محض، والسير فعل وانفعال، ومن هذا قوله تعالى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها (37) [الأحزاب] فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج، وكذلك قوله وَ زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) [الدخان] فهو المزوّج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت