فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 759

فإذا لم يكن الإنسان فاعلها مع قيامها به، فكيف يكون اللّه سبحانه هو فاعلها؟ ولو كان فاعلها، لعادت أحكامها عليه، واشتقت له منها أسماء، وذلك مستحيل على اللّه، فيلزمك أن تكوّن أفعالا لا فاعل لها، فإن العبد ليس بفاعل عندك، ولو كان الرب فاعلا لها، لاشتقت له منها أسماء وعاد حكمها عليه.

فإن قيل: فما تقولون أنتم في هذا المقام؟.

قلنا: لا نقول بواحد من القولين، بل نقول: هي أفعال للعباد حقيقة، ومفعولة للرب، فالفعل عندنا غير المفعول، وهو إجماع من أهل السنة، حكاه الحسين بن مسعود البغوي وغيره، فالعبد فعلها حقيقة، واللّه خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة، وخالق فاعليته، وسر المسألة أن العبد فاعل منفعل باعتبارين: هل هو منفعل في فاعليته، فربه تعالى هو الذي جعله فاعلا بقدرته ومشيئته، وأقدره على الفعل، وأحدث له المشيئة التي يفعل بها؟.

قال الأشعري: وكثير من أهل الإثبات يقولون: إن الإنسان فاعل في الحقيقة، بمعنى مكتسب، ويمنعون أنه محدث، قلت: هؤلاء وقفوا عند ألفاظ الكتاب والسنة، فإنهما مملوءان من نسبة الأفعال إلى العبد باسمها العام وأسمائها الخاصة، فالاسم العام كقوله تعالى: تعملون، تفعلون، تكسبون.

والأسماء الخاصة: يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون، ويخافون، ويتوبون، ويجاهدون. وأما لفظ الإحداث فلم يجي ء إلا في الذم كقوله صلى اللّه عليه وسلم: «لعن اللّه من أحدث حدثا أو آوى محدثا» «1» فهذا ليس بمعنى الفعل والكسب، وكذلك قول عبد اللّه بن مغفل لابنه: إياك والحدث

(1) رواه البخاري (111) وأطرافه ومنها (1870) ، ومسلم (1370) عن علي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت