بإرادته ومحبته ورضاه.
وأما من جعل فعل العبد مريدا محبا، مؤثرا لما يفعله، فكيف يقال إنه جبره عليه، فهو سبحانه أجلّ وأعظم وأقدر من أن يجبر عبده ويكرهه على فعل يشاؤه منه، بل إذا شاء من عبده أن يفعل فعلا، جعله قادرا عليه مريدا له محبا مختارا لإيقاعه، وهو أيضا قادر على أن يجعله فاعلا له باختياره، مع كراهته له وبغضه ونفرته عنه.
فكل ما يقع من العباد بإراداتهم ومشيئاتهم، فهو سبحانه الذي جعلهم فاعلين له، سواء أحبّوه أو أبغضوه وكرهوه، وهو سبحانه لم يجبرهم في النوعين كما يجبر غيره من لا يقدر على جعله فاعلا بإرادته ومشيئته. نعم! نحن لا ننكر استعمال لفظ الجبر فيما هو أعم من ذلك، بحيث يتناول من قهر غيره، وقدر على جعله فاعلا لما يشاء فعله، وتاركا لما لا يشاء فعله، فإنه سبحانه المحدث لإرادته له وقدرته عليه.
قال محمد بن كعب القرظيّ في اسم الجبار: إنه سبحانه هو الذي جبر العباد على ما أراد.
وفي الدعاء المعروف عن علي رضي اللّه عنه: اللهم داحي المدحوّات وبارئ المسموكات جبار القلوب على فطرتها شقيّها وسعيدها.
فالجبر بهذا المعنى معناه القهر والقدرة، وأنه سبحانه قادر على أن يفعل بعبده ما شاء، وإذا شاء منه شيئا وقع ولا بدّ، وإن لم يشأ لم يكن، ليس كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء؛ والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق لغيره من وجوه:
أحدها: أنّ المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدا للفعل محبا له، والرب تعالى قادر على جعل عبده كذلك.