فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 759

ونعطّل معناه. ونظير هذا تسمية خلقه سبحانه لأفعال عباده وقضائه السابق جبرا.

ولذلك أنكر أئمة السنة كالأوزاعي، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وغيرهم، هذا اللفظ. قال الأوزاعي والزبيدي: ليس في الكتاب والسنة لفظ جبر، وإنما جاءت السنة بلفظ الجبر كما في الصحيح، أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، قال لأشجّ عبد القيس: إن فيك خلقين يحبّهما اللّه:

الحلم والأناة، فقال: أ خلقين تخلّقت بهما، أم جبلت عليهما؟ فقال: «بل جبلت عليهما» فقال: الحمد للّه الذي جبلني على ما يحبّ» «1» .

فأخبر النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن اللّه جبله على الحلم والأناة، وهما من الأفعال الاختيارية، وإن كانا خلقين قائمين بالعبد، فإنّ من الأخلاق ما هو كسبيّ، ومنها ما لا يدخل تحت الكسب، والنوعان قد جبل اللّه العبد عليهما، وهو سبحانه يحب ما جبل عبده عليه من محاسن الأخلاق، ويكره ما جبله عليه من مساويها، فكلاهما بجبله، وهذا محبوب له، وهذا مكروه، كما أن جبريل صلوات اللّه عليه مخلوق له، وإبليس عليه لعائن اللّه مخلوق له، وجبريل محبوب له مصطفى عنده، وإبليس أبغض خلقه إليه، ومما يوضّح ذلك أنّ لفظ الجبر لفظ مجمل، فإنه يقال: أجبر الأب ابنته على النكاح، وجبر الحاكم الرجل على البيع، ومعنى هذا الجبر:

أكرهه عليه، ليس معناه أنه جعله محبّا لذلك راضيا به مختارا له، واللّه تعالى إذا خلق فعل العبد، جعله محبا له مختارا لإيقاعه راضيا به مختارا له، واللّه تعالى فإطلاق لفظ الجبر على ذلك فاسد لفظا ومعنى، فإن اللّه سبحانه أجلّ وأعزّ من أن يجبر عبده بذلك المعنى، وإنما يجبر العاجز عن أن يجعل غيره فاعلا

(1) رواه البخاري (53) ، ومسلم (17) عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت