فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 759

يسعدون بها أبدا، ولو علم سيّد عن وحي أو إخبار نبيّ أنه لو أمدّ عبده بالمال لطغى وأبق، وقطع الطريق، فأمدّه بالمال زاعما أنه يريد منه ابتناء القناطر والمساجد، وهو مع ذلك يقول: أعلم أنه لا يفعل ذلك قطعا، فهذا السيد مفسد عبده، وليس مصلحا له، باتفاق من أرباب الألباب، فقد زاغت الفئتان، وضلت الفرقتان، واعترضت إحداهما على القواعد الشرعية، وزاحمت الأخرى أحكام الربوبية، واقتصد الموفقون، فقالوا: مراد اللّه من عباده ما علم أنهم إليه يصيرون، ولكنه لم يسلبهم قدرتهم، ولم يمنعهم مراشدهم، فقرّت الشريعة في نصابها، وجرت العقيدة في الأحكام الإلهية على صوابها.

فإن قيل: كيف يريد الحكيم السّفه، فقد أوضحنا أنّ الأفعال متساوية في حق من لا ينتفع ولا يتضرر، ولكن إذا أخبر أنه مكلّف مطالب عباده مزيح عللهم، فقوله الحقّ، وكلامه الصدق، وأقرب أمر يعارضون به أن الحكيم منا إذا رأى جواريه وعبيده يمرج بعضهم في بعض، وهم على محارمهم، بمرأى منه ومسمع، فلا يحسن تركهم على ما هم عليه، والرب سبحانه يطلع على سوء أفعالهم، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، ثم قال: قد أطلقت أنفاسي، ولكن لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل، لكان، وحق القائم على كل نفس بما كسبت، أحبّ إليّ من ملك الدنيا بحذافيرها أطول أمدها، انتهى كلامه بلفظه.

وهذا توسّط حسن بين الفريقين، وقد أنكره عليه عامة أصحابه، منهم الأنصاريّ شارح «الإرشاد» وغيره، وقالوا: هو أقرب من مذهب المعتزلة، ولا يرجع الخلاف بينه وبينهم إلا إلى الاسم فقط، وأن هذا مما انفرد به، ولكن بقي عليه فيه أمور: منها أنه نفى كراهة اللّه لما قدّره من المعاصي بناء على أصله: أنّ كلّ مراد له فهو محبوب له، وأنه إذا كان قد قدّر الكفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت