فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 759

واستمكنت، لم يمكنه صرف قلبه عن الهوى والمحبة، فيطبع على قلبه ويختم عليه، فلا يبقى فيه محلّ لغير ما يهواه ويحبه، وكان الانصراف مقدورا له في أول الأمر، فلما تمكنت أسبابه لم يبق مقدورا له، كما قال الشاعر:

تولّع بالعشق حتى عشق ... فلما استقلّ به لم يطق

رأى لجّة ظنها موجة ... فلما تمكّن منها غرق

فلو أنهم بادروا، في مبدأ الأمر، إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى، لسهل عليهم، ولما استعصى عليهم، ولقدروا عليه.

ونظير ذلك المبادرة إلى إزالة العلة قبل استحكام أسبابها ولزومها للبدن لزوما لا ينفك منها، فإذا استحكمت العلة، وصارت كالجزء من البدن، عزّ على الطبيب استنقاذ العليل منها.

ونظير ذلك المتوحّل في حمأة، فإنه ما لم يدخل تحتها، فهو قادر على التخلص، فإذا توسط معظمها، عزّ عليه وعلى غيره إنقاذه.

فمبادئ الأمور مقدورة للعبد، فإذا استحكمت أسبابها، وتمكنت، لم يبق الأمر مقدورا له.

فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه من أنفع الأشياء في باب القدر. واللّه الموفق للصواب، واللّه سبحانه جاعل ذلك كله وخالقه فيهم بأسباب منهم، وتلك الأسباب قد تكون أمورا عدمية، يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها، فلا يشاء سبحانه أن يخلق للعبد أسباب الهدى، فيبقى على العدم الأصلي، وإن أراد من عبده الهداية، فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته وتوفيقه، فإذا لم يرد سبحانه من نفسه ذلك، لم تحصل الهداية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت