فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 759

الآخر وتأثيره، وكأنه، واللّه أعلم، أراد أنّ قدرة الرب مستقلة بالتأثير في إيجاد الفعل، وهذا قد قاله طائفة من العلماء، وقائل هذا لم يتخلص من الخطأ حيث جعل قدرة العبد مستقلة بالتأثير في إيجاد المقدور، وهذا باطل، إذ غاية قدرة العبد أن تكون سببا بل جزءا من السبب، والسبب لا يستقل بحصول المسبّب، ولا يوجبه، وليس في الوجود ما يوجب حصول المقدور إلا مشيئة اللّه وحده، وأصحاب هذا القول زعموا أنّ اللّه أعطى العبد قدرة وإرادة، وفوض إليه بهما الفعل والترك، وخلاه وما يريد، فهو يفعل ويترك بقدرته وإرادته اللتين فوض إليه الفعل والترك بهما.

وقالت طائفة أخرى: مقدور العبد هو عين مقدور الرب، بشرط أن يفعله العبد إذا تركه الربّ، ولم يفعله، لا على أنه يفعله، والرب له فاعل، لاستحالة خلق بين خالقين، وهذا بعينه مذهب من يقول بوقوع مفعول بين فاعلين على سبيل، وهذا مذهب كثير من القدرية، منهم الشحّام وغيره.

وقالت طائفة: يجوز وقوع فعل بين فاعلين بنسبتين مختلفتين، بإحداهما يكون محدثا، وبالأخرى يكون كاسبا، وهذا مذهب النجار «1» وضرار بن عمرو «2» ومحمد بن عيسى بن حفص، والفرق بين هذا المذهب ومذهب الأشعريين من وجهين:

أحدهما: أن صاحب هذا المذهب يقول: العبد فاعل حقيقة، وإن لم

(1) النجار هو الحسين بن محمد الرازي رأس النّجّاريّة، كان ينكر الرؤية ويقول بخلق القرآن.

(2) ضرار بن عمرو رأس الضّرارية من المعتزلة، كان ينكر عذاب القبر. مات في زمن الرشيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت