فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 759

إلى أن نبغت نابغة، ردّوا بدعتهم ببدعة تقابلها، وقابلوا باطلهم بباطل من جنسه، وقالوا: العبد مجبور على أفعاله مقهور عليها، لا تأثير له في وجودها البتة، وهي واقعة بإرادته واختياره، وغلا غلاتهم فقالوا: بل هي عين أفعال اللّه، ولا ينسب إلى العبد إلا على المجاز، واللّه سبحانه يلوم العبد ويعاقبه ويخلده في النار على ما لم يكن للعبد فيه صنع، ولا هو فعله، بل هو محض فعل اللّه، وهذا قول الجبرية، وهو إن لم يكن شرا من القدرية، فليس هو بدونه في البطلان.

وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة العقول والفطر والعيان، يكذّب هذا القول ويرده، والطائفتان في عمى عن الحق القويم والصراط المستقيم، ولما رأى القاضي وغيره بطلان هذا القول وتناقضه للشرائع والعدل والجبلّة، قالوا: قدرة العبد، وإن لم تؤثر في وجود الفعل، فهي مؤثرة في صفة من صفاته وتلك الصفة تسمى كسبا، وهي متعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب، فإن الحركة التي هي من طاعته، والحركة التي هي من معصيته، قد اشتركا في نفس الحركة، وامتازت إحداهما عن الأخرى بالطاعة والمعصية، فذات الحركة ووجودها واقع بقدرة اللّه وإيجاده، وكونها طاعة ومعصية واقع بقدرة العبد وتأثيره.

وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب، فالقائل به لم يوفه حقه، فإنّ كونها طاعة ومعصية هو موافقة الأمر ومخالفته، فهذه الموافقة والمخالفة إما أن تكون فعلا للعبد، يتعلق بقدرته واختياره، وإن كان لم يكن للعبد اختيار ولا فعل ولا كسب البتة، فلم يثبت هؤلاء من الكسب أمرا معقولا، ولهذا يقال:

محالات الكلام ثلاثة: كسب الأشعري، وأحوال أبي هاشم، وطفرة النظام.

ولما رأى طائفة فساد هذا، قالوا: المؤثر في وجود الفعل هو قدرة الرب على سبيل الاستقلال، قالوا: ولا يمتنع اجتماع المؤثرين على أثر واحد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت