الصفحة 920 من 1412

والملفت للنظر بأن هذه الآيات سواء كانت مكيَّة أم مدنيَّة، فالتصدِّي لشأن المطفِّفين كان بمثابة إعلان الحرب عليهم، وهم حينها من طبقة السادة وذوي النفوذ؛ حيث كانوا يمارسون التطفيف معتمدين على مركزهم ونفوذهم. فهم يكتالون {على الناس} لا من الناس، فكأنَّ لهم سلطانًا يجعلهم يستوفون بالمكيال والميزان بالقسر على أكثر من حقِّهم، دون أن يستطيع هؤلاء الناس منعهم أو الوقوف في وجههم.

فكان الإسلام بهذه الصيحة المبكرة موقظًا للجماهير المستَغَلّة، معرِّيًا سادة مكَّة أو المدينة المهيمنين على اقتصادياتهم وشؤون معاشهم. لذلك عارض هؤلاء السادة ـ مشركين أو منافقين ـ الإسلام دفاعًا عن مراكزهم ومصالحهم، وشنُّوا حربًا عليه لاهوادة فيها، لأنه يهدِّد كيانهم الزائف وسلوكهم المنحرف. هذه الحرب مازالت قائمة إلى يومنا هذا، في كل جيل وفي كلِّ أرض، والطغاة المطففون ـ في أيِّ صورة من صور التطفيف في المال أو في سائر الحقوق والواجبات، وسواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو بين الدول القوية والدول الضعيفة ـ هم الَّذين يخافون أكثر من غيرهم ظهور ذلك المنهج النظيف العادل، الَّذي لايقبل المساومة ولا المداهنة، بل العدل المطلق لجميع الأفراد وجميع الشعوب، على اختلاف عروقها وأديانها.

تلك النفوس الجائرة، الجشعة الماكرة، لو أنها خفَّفت من غلوائها وتحرَّرت من أَسْر شهواتها، وفكَّرت مليًّا، لتذكَّرت بأن أمامها محكمة، قاضيها ربُّ العالمين، والقانون المعتمد فيها هو قانون العدل الَّذي قامت عليه السموات والأرض، حيث يُنصِف الله جلَّ وعلا عباده من جور بعضهم على بعض، ويُكافِئ المحسن، ويعاقب المسيء. إن هذه النتيجة الحتمية الَّتي لا مِراء فيها لجديرة بأن يقف المرء أمامها وقفة تأمُّل واعتبار، ومن ثَمَّ المسارعة إلى نبذ كلِّ ما نهى الله عنه، والتمسُّك بكلِّ ما دعا إليه سبحانه.

الفصل السادس:

الحَجْر على مال السفيه

سورة النساء (4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت