الصفحة 450 من 1412

وهكذا وُلِد الإنسان من جديد في الجزيرة العربية، ولد الإنسان الَّذي يتخلَّق بأخلاق الله، وكان هذا هو المولد الجديد للعرب، كما هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض. والمسافة الشاسعة بين دَرَكِ الجاهليَّة المتردِّية فيه، وأفق الإسلام الشاهق، هي المسافة بين قول الجاهلية المأثور: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) وقول الله العظيم: {ياأيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوامينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بالقِسطِ ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنآنُ قومٍ على ألاَّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هو أقربُ للتَّقوى واتَّقوا الله إنَّ الله خبيرٌ بما تعملون} (5 المائدة آية 8) .

مقدمَّة:

لم يقتصر دين الإسلام على مجرَّد الدعوة للإيمان بالله فحسب؛ بل جاء للناس بمنهج تربوي كامل وشامل، لشتَّى فروع التربية الَّتي تستند إليها المجتمعات الإنسانية، في عمليَّة التقدُّم والتطوُّر نحو الأفضل، وفي سبيل تحقيق ما يصبو إليه أفرادها من سعادة ونجاح، وطمأنينة وسلام.

إن التربية الروحيَّة نواة التربية الإسلامية وجوهرها، وقد قامت على قواعد قويَّة، وأسس متينة من شأنها توطيد أواصر الصلة بين المسلم وربِّه، وربط أسباب دنياه بأسباب آخرته. وقد رافقتها التربية الأخلاقية كظلِّها، ثمَّ أُكملتا بالتربية الاجتماعية، الَّتي كانت بمثابة الطابق الثالث في بناء التربية في الإسلام. وإن أهمَّ طاقة تنير هذا البناء: دوام ذكر الله وتسبيحه، وتلاوة كتابه، والاستقامة على عبادته، والتضرُّع إليه بالدعاء.

إن من أبرز سمات تربية الإسلام الروحية، الاعتدال والتوازن بين مطالب الروح ومطالب الجسد، وأقرب مثال على ذلك العبادات الَّتي تُعنى بالجانبين الروحي والمادي في الإنسان، وقد جُعلت متنوِّعة ومتكرِّرة ليبقى المسلم على طهارة روحية متجدِّدة تقرِّبه من الله، وتجذبه إليه كلَّما نأت به ماديَّات الحياة بعيدًا عن الحضرة الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت