وينهى الإسلام عن كلِّ ما يفرِّق الأمَّة المؤمنة، ويأمر بكلِّ ما يدعم وحدتها وتماسكها، ولهذا أُمِرَتْ بالتعاون فيما بينها؛ فإن كان تعاونها في دائرة البِرِّ والتَّقوى فهو تعاون محمود وعمل خيريٌّ تثاب عليه. أمَّا إذا صُرِفَ لغير ذلك ووُجِّه نحو الفساد والإفساد، فهو تعاون مذموم وعمل غيرُ شرعي، يُعَاقَبُ عليه كلُّ من يشجِّعه أو يقوم به. وقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا البِرَّ الَّذي يجب التعاون عليه، وبيَّن لنا ما هو الإثم المنهي عنه فقال: «البرُّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس» (رواه مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه ) .
والأمر بالتعاون على البرِّ والتَّقوى من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن الكريم، إذ يوجب على الأفراد أن يعين بعضهم بعضا على كلِّ ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وعلى كلِّ عمل من أعمال التَّقوى الَّتي يدفعون بها المفاسد والمضارَّ عن أنفسهم وعن غيرهم، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على كلِّ ما فيه الخير والفلاح للجميع.
وهكذا استطاعت التربية الإسلامية، بالمنهج الربَّاني أن تُروِّض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القويَّة، والاعتياد على هذا السلوك القويم، بعد أن كان المنهج الجاهلي المسلوك والمبدأ المشهور: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) ، حيث كانت حميَّة الجاهلية مسيطرة، ونعرة العصبية مستولية، وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله ولا تستمدُّ تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزانه. وجاء الإسلام ليربط القلوب بالله ويربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله، فأخرج العرب والبشرية كلَّها، من حميَّة الجاهلية ونعرة العصبية وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية، في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء، إلى التعامل مع جميع الخلق بالعدل بل بالإحسان والحلم وسعة الصدر والصفح الجميل.