ولا يقف نُبْلُ الإسلام عند هذا الحد، بل إنه يتجاوزه ليسمو بالمؤمن إلى درجة تتفجَّر فيها ينابيع الخير في نفسه، فيتحوَّل من مقام العدل والإمساك عن الظلم والاعتداء، إلى مقام التسامح والإحسان إلى من أساء إليه، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا تّسْتَوي الحَسَنَةُ ولا السَّيِئَةُ ادْفَعْ بالَّتي هي أحسنُ فإذا الَّذي بينكَ وبينَهُ عَدَاوَةٌ كأنَّه وَليٌّ حميم} (41 فُصِّلَتْ آية 34) . وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال: «يارسول الله إن لي قرابة أصِلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ. فقال: لئن كنت كما قلت فكأنَّما تُسِفُّهم الملَّ ـ أي الرماد الحار ـ ولا يزال معك من الله تعالى ظهيرٌ عليهم مادمت على ذلك» (رواه مسلم) .
وهذا الخُلق العظيم لا يمكن أن يتحلَّى به إلا من وصفهم الله تعالى بالمحسنين، الَّذين قال عنهم: {..والكاظمينَ الغيظَ والعَافينَ عن النَّاسِ والله يُحبُّ المُحسنين} (3 آل عمران آية 134) . وأشار إلى أن هذا من الأمور الَّتي يجب الثبات عليها بحزم وعزيمة فقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذلك لَمِنْ عَزْمِ الأمور} (42 الشورى آية 43) .
وهكذا فإن الله تعالى يعطي الأمان للناس جميعًا في حرم بيته الحرام، ويجعله منطقة تأمن فيها الحيوانات والطيور والأشجار فضلًا عن الإنسان، ويُحَرِّمُ التعرُّض لأيٍّ منها بالأذى، أو بالترويع أو العدوان، فلا صيد إلا بعد انتهاء مدَّة الإحرام وخارج البيت الحرام. أمَّا في البيت الحرام فسلامٌ مطلق يرفرف على كلِّ من في هذا البيت استجابة لدعوة إبراهيم عليه السَّلام، ويرفرف على المنطقة كلِّها أربعة أشهر في العام.