إنَّ كُلًا من الراشي والمرتشي لا حظَّ لهما من رحمة الله، لأن الرشوة تُفسد أداة الحكم، وتدفع المنحرفين من القضاة للتلاعب بالأحكام والانقياد للهوى فيضلُّون عن الحقِّ، وإذا وصلوا إلى هذا الدَّرْك ولم يجدوا من يقوِّم انحرافهم، ألقَوْا بالأمَّة إلى التهلُكة، قال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم» (رواه أحمد وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان) . ولقد نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل، وتقديمها إلى القضاة للاستعانة بهم بغير حقٍّ، فقد روى مسلم عن أبي أمُامة y أن رسول الله r قال: «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النَّار وحرَّم عليه الجنَّة. فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يارسول الله؟ فقال: وإن كان قضيبًا من أراك» . وغنيٌّ عن القول أن هذا الحديث وإن خصَّ المسلم، إلا أنه يمكن تعميمه لحفظ حقوق جميع الناس، مهما كانت جنسياتهم ودياناتهم، بدليل الأحاديث الشريفة الأخرى في هذا المجال، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «من ظلم معاهَدًا، أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه ـ خصمه ـ يوم القيامة» (رواه أبو داود) علمًا بأن أيَّ عمل مجيد، ولو بلغ الاستشهاد في ميدان الجهاد، لا يكفِّر خطيئة أخذ المال بغير حق.