وقد أقرَّ الملائكةُ لله عزَّ وجل في دعائهم هذا بثلاث صفات: الرُبوبيَّة، والرَّحمة، والعلم. وفي هذا الإقرار قبل الدعاء تعليم لنا وتوجيه لنعرف أدب السؤال، فهم يبدؤون دعاءهم بالثَّناء، ويستمطرون إحسانه وفضله وإنعامه، ويسألونه الصَّفح عن المؤمنين المذنبين، التائبين عن المعاصي، المتَّبعين سبيل الحق الَّذي جاء به أنبياؤه ورسله، ويرجونه أن يحفظهم من عذاب جهنَّم وأن يصرفه عنهم، ثمَّ يرتقون في الدعاء إلى سؤال الجنَّة، واستنجاز وعد الله لعباده الصالحين، فيدعون الله تعالى أن يُتمَّ سرور هؤلاء المؤمنين بجمعهم مع من صلح من آبائهم وأزواجهم وذريَّاتهم في الجنَّة، وإن تفاوتت درجاتهم. وفي هذا إشارة إلى عظيم فضل الله وإحسانه، حيث جعل بركة الرجل الصالح تعمُّ لتشمل أهله؛ فيلحَق الأبناء بالآباء في المنزلة وإن كانت أعمالهم لا تؤهِّلهم لبلوغ تلك المنزلة. روى الطبراني في هذا عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا دخل الرجل الجنَّة، سأل عن أبويه وزوجته وولده؛ فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: ياربُّ قد عملتُ لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به» . ويؤيِّد هذا قول الله تعالى: {والَّذين آمنوا واتَّبَعتْهم ذُرِّيَّتهم بِإيمانٍ أَلْحقنا بهم ذُرِّيَّتهم وما أَلَتْناهُم من عملهم من شيءٍ كلُّ امرِئ بما كَسب رهينٌ} (52 الطور آية 21) .